تُحفةُ الأنامِ فِي حَياةِ الخَليفةِ الأعظَمْ مولانا الشَّيخِ مُحمد المُصطفَى الكَريمْ (2)
____________________________________________________________
* بعض وَصايا ونَصائح وأشعار الخليفة الأعظم الشيخ مُحمد المُصطفى الكريم
نَودُّ أن نقدِّم للباحثين هنا بعض الخُطب والوصايا الفائقة في البلاغة والفصاحةِ التي كان يَكتبها هَذا الإمام الأعظم فِي المناسبات الاجتماعية كالاحتفال بذكرى رحلة الشيخ الخَديم رضي الله عنه- إلى جِوار ربّه، والنَّصائح التي كان يُسديها إلى مُريديه فَينة بعد فَينة، كما نُتحفكم بأشعاره وأنظامِه التي تَشتملُ بالمدائح البهيّة والمَراثي الفياضة الجياشة والابتهالاتِ.
- الوصية الأولى:
هَذه هي الوصيةُ الأولى التي حثَّ فيها الخليفة الأعظم الشيخ مُحمد المُصطفى البَكيّ جَميع المُريدينَ على القيام بواجباتهم نحو ابتِناء المسجد الجامع في طوبى المَحروسة المهمة التي قد كلَّفه الشيخ الخديم - رضي الله عنه- بتنفيذها، فقال:
بسم الله الرحمان الرحيم صلَّى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه أجمعين.
السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته، أما بعد:
فإنِّي أُوصيكم أيها المُريدون بتقوى الله تعالى بالاجتهاد في امتثال الأوامر واجتناب المَناهي، واعلمُوا أن الإرادة ليست بمُجرّد كلام فحسبُ، بَل إنَّ مَعها قرائنَ تدلُّ على صحَّتها، ألا وهي الصِّدق فِي المحبة والخدمة بقدر الوُسع والحال، فمن صَدق في حُبّ الشيء آثره على الغير، فيُظهر فِي اللسَان ويُؤثر في الجَوارح بالعمل بمقتضاه إنَّ المحبَّ لمن يُحبّ مطيع، { وَلا تُلهِكم أموَالكُم ولا أولادُكم عَن ذِكر اللهِ } [ سُورة المنافقون، الآية: 9] { فلا تغُرنكم الحياةُ الدُّنيا ولا يَغرَّنكم بالله الغَرورُ} [ سُورة فاطر، الآية: 5]، {ومَا هَذه الحياةُ الدُّنيا إلا لَهو ولعبٌ وإنَّ الدَّار الآخرة لهِي الحَيوانُ لو كانُوا يعلمُون }[ سُورة العنكبوت، الآية: 64]، { لَمغفرَة من اللهِ ورَحمَة خَيرٌ مما تجمعُونَ } [ آل عمران، الآية: 157]، { ورِضوانٌ من الله أكبَر ذلكَ هُو الفَوزُ العَظيم } [سُورة التوبة، الآية: 72]، { ولقد صَدقكُم اللهُ وعدَهُ } [ سُورة آل عمران، الآية: 152]، خَلقكم بإرادته لعبادته ورزقكُم أحياء بفضله، وستمُوتون كما تنامُون وتبعثون كما تستيقظونَ، ثم إليه تُرجعُون فيُنبئكم بما كنتُم تعمَلُون.
ألا إنَّ هَذا زمان قد كثُر فيه النِّسيان والمُتغافلون، { ولا تَحسَبن الله غافلا عما يَعمل الظالمونَ} [ سُورة إبراهيم، الآية: 42]، فتُوبوا إلى الله تعالى قبل أن يكُون لكلّ امرئ شأن يُغنيه، واطلبُوا النجاة قبل فواتها، واجتهدوا في المأموراتِ قبل العَجز عنها وانقِضاء إبانها، وإن من أقوَى الأسبابِ لنَجاة المُريد وأنجَح الوسائل له لبُلوغ المُراد أن يُوفق لما اختير له من صَالح الأعمال، ويرزق حسن الإمتثال. فمن سَعادتكم التامة أيُّها المُريدون: وفَوزكم بأوفرِ نَصيب مما تُريدون أن تعتنوا بأمر هذا المَسجد الذي أمر به الشَّيخ الخَديم - رضي الله عنه-، صادقا بفيه أنه إذن من رب العالمين بواسطة سيد المرسلين، أمركم به وبَلَّغتكم { وَما عَلى الرسُول إلا البَلاغُ المُبينُ } [سُورة النُّور، الآية: 54] ، فمَن ظهر في القيام به فسيكُون له ظهور يَسرُّه وينفعُه، والعَكس بالعكس، إلى غير ذلك مما لا يخفى عَلى كثير من المتعلِّقين به ترغيبا وتَرهيبا، وكُونوا أيها المُريدون ممن قيل فيهم: { مِن المُؤمنينَ رجالٌ صَدقوا مَا عاهَدوا الله علَيه فمنهُم مَن قضَى نَحبَه ومنهُم من يَنتظر وما بَدلوا تبْديلاً }[ سُورة الأحزاب، الآية: 23]، وَلا تغيرُوا { إنَّ الله لا يُغيّر ما بقَوم حتَّى يُغيروا مَا بأنفسِهم } [ سُورة الرّعد، الآية:11]، وابذُلوا جُهدَكم فِي هذا الأمر فإنَّ الشيخَ لم يأمُر المُريد لينتفع بنفسِه، بل لينتفع هو، وهَذا الآن أكبر ما أمر به من خدمة لِيعملْ كل منكُم على قدر طاقته، { ليُنْفق ذو سَعة من سَعتِه ومَن قُدِّر عليه رزْقه فلينفِق مِما آتاه اللهُ لا يُكلِّف الله نَفسًا إلا ما آتَاهَا } [سُورة الطلاق، الآية: 7]، واجتَهدوا أيضا فِي إصلاح ذات بيتكم لتَكونُوا يَدا واحدة، وليحبَّ كلّ واحدٍ منكُم لأخيه ما يجبُّ لنفسهِ { وتَعاونُوا عَلى البِر والتَّقوى ولا تَعاونُوا عَلى الإثم والعُدوانِ } [ سُورة المائدة، الآية: 2]، وتَأدبوا مع رؤسَاء أهلِ الأرض بتَرك كلِّ ما يُؤدي إلى تزلزلٍ أو فَسادٍ في الأرض، لأن السَّلام والعافية خَير من غيرهما، فالله يُجزيكم خيرًا أيُّها المُمتَثلون ويتمّم لنا ولكُم المُراد في الدَّارين.
آمين يَا ربَّ العالمين، والسَّلام.
[نقلا عَن كتاب" المجمُوعة المباركة التي تشتَمل عَلى وصايا نافعة وأدعية مأثورة لصِنو والدهِ وخليفته الشيخ محمد المصطفى البكيّ- نفعنا الله ببركاته-"، ص: (3) وما بعدها، التي جمعت بإذن من ابنه البر وخليفته المشهور بـ" سرين امباكي مَدينة" وكتبه أحمد بَشير صلّه بن سرين صلَّه طوبى دار القُدوس، راجعه وصحّحه الشيخ حبيب البكيُّ].
- الوصيّة الثّانية
وهذه هي الوصيّة الثّالثة التي وجَهها إلى النّاس بمناسبة حفلة التعظيم التي تُقام سَنويّا إحياء لذكرى قُدوم الشيخ الخديم إلى طوبى وهي:
بسم الله الرحمن الرحيم وصلّى الله على سيّدنا محمّد. هذا تذكيرٌ لجَميع المُريدين الصَّالحين المتعلّقين بأذيال شَيخنا أحمدَ البكيّ- تغمده الله فسيح جِنانه-، { وذكر فإنَّ الذِّكرى تَنفع المُؤمنينَ} [ سُورة الذاريات، الآية: 55] اعلموا أن شَيخنا أحمد المصطفى البكيّ خليفة أبيه ووارثه جمع الناس ذات يَوم وهو يوم الأحد في طوبى المحروسة من المُحرم في عام حنسَش (1358ه) ووفق عليهم وقُوف الأسد بين الذّئاب أو كالبَدر وسط الشُّهب، ثمّ قال لعمّه الأبرّ الصُّوفيّ الفانِي فِي الله العارق به الشيخ مصمب البكيّ فقُل لجميع النّاس الحَافظين القُرآن أن يقرؤوا عدد اثنيْ عشَر مصحفا في محراب بناء الجامع، ثمّ تقلْ لاثنيْ عَشر رجلا من الحَافظين أن يقرؤوا اثنيْ عَشر مُصحفا حَول البناء، ثمّ اختر أربعة من الحَافظين ليقرؤوا أربعة مصَاحف في داخلِ الرّوضة الشَّريفة عِند الأركان الأربعة. ويكُون عدد جميع المَصاحف ثمانيةً وعشرين مُصحفا وهو وافق عَدد حُروف "طوبى" وفي ذلك العدد سِرّ مكتُوم لشيخنا الخديم -رضي الله عنه-، ثمّ بعد ذلك أمر القارئينَ الذين يقرؤون قصائد شيخنا الخديم التّي المتضمّنة بمدح رسول الله- صلّى الله عليه وسلّم- كـ"جذب القلوب إلى علاّم الغيوب، ومواهب النّافع، في مَدائح الشّافع، ومقدّمات الأمداح في مزايا المفتاح، والميمية" بأن يُديموا القراءة عند أركان البناء الأربعة لكلِّ ركن قصيدة ثمّ أمر الباقين من النّاس بالمواظبه على الذكر والصَّلاة على النّبيّ والدّعاء والصّدقة والتَّوبة زُمرا زُمرا حتى نهاية اليوم. فلمّا همَّ بِالانصراف إلى دار القدّوس التّي لم يدخل فيها إبليس توجّه إلى الناس ووصّاهم بهذه الوصيّة التي يقول فيها:
أيُّها النَّاس: إنّما جَمعتكم هذا الاجتماع لأذكركم يَوم الجَمع الّذي لا ريبَ فيه، وهذا اليوم يُصادفُ يوم رحيل الشيخ الخديم إلى جَنّة ربّه لأذكّركُم أنَّ { كلَّ نَفس ذَائقة المَوت} [ سُورة آل عمران ، الآية: 185] { وأيْنمَا تكُونوا يُدرككُم المَوتُ ولو كُنتم فِي بُروج مُشيّدة} [ سُورة النّساء، الآية: 78] {وتُوبوا إلى الله جَميعا أيُّها المُؤمنُون لعلَّكم تُفلحُون} [ سُورة النُّور، الآية:31]، { واعبدُوا الله مُخلصينَ له الدّينَ}، {وَلا تتفرَّقُوا فيهِ} [سورة الشورى، الآية: 13].
فليكُن هَذا الاجتِماع سَنويًّا على هذه العقائد والمقاصدِ فاجتهدوا في امتثالِ الأوامر واجتناب النّواهي لأنّ الأوامر طرق الجنّة الّتي وعد المتَّقون، والنَّواهي طُرق النّار الّتي وقودها النّاس والحجارة والعياذ بالله، فمن ركبَ جَواد الأمر وركضه بسَاقي الجدّ واجتناب النهي، كرَّ به وسَط الجِنان، ومن ركبَ جواد النهي وركضه بسَاقي النَّفس والهَوى كرَّ به وسَط النار. فلينظُر العاقل الماهر أيُّهما يَركب قَبل الانطلاق وليستعدَّ قبل أن يُّدركه الموت بغتة، وينزله جَواده علَى اللحد ويَكسر صُلبه ولا ينجبر أبدا، لما قال الشاعر:
فالكَسر من ذِي امتثال الأمر مُنجبر = والكَسر من ذِي اقتِحام غيرُ مُنجبر
فلذلك أدعُوكم إلى الله قبل أن يدعُوكم و نَصحتُ لكم، ولكن لا تحبّون النَّاصحين لتعرفُوا أنَّ قطاع الطرق المُوصلة إلى الله مُنتشرون في كلِّ مكانٍ ولأنّ السّبل المضلّة عن المِنهاج كثيرة في هذه الأزمنة، {فاعتبِروا يا أولي الأبصار} [سُورة الحشر، الآية: 2] { فلا تغرّنَّكم الحَياةُ الدُّنيا وَلا يَغرَّنّكم بالله الغَرورُ } [سُورة فاطر، الآية: 4]. والسّلام ورحمة الله وبركاته.
تنبيه: هَذه الوصية جَدّدها وأمر بطبعها ونشرها وترجمتها إلى جميع اللغات لمنفعة المُسلمين " الشيخ محمد امباكي طائف".
- الوصيّة الثالثة
والوصيّة الثانية هذه ألقاها في البقعة المباركة "جربل" في غرّة شهر رمضان المبارك، فقال:
بسم الله الرحمن الرحيم وصلّى الله على سيّدنا محمّد وآله وصحبه وسلّم اعلموا أيُّها الإخوانُ المُريدون أنَّما جمعتكم في هذا اليوم المبارك في هذا الشَّهر المبارك في هذه البقعة المباركة لأذكّركم، فإنَّ الذكرى تنفع المؤمنين. وأوصيكُم بتقوى الله في السّرِّ والعَلانية بالاجتهاد فِي امتثال الأوامر واجتناب المناهي، واعلموا أنَّ المأموراتِ بها إلى الآن غير منهيّات عنها، وأن المنهيّاتِ عنها إلى الآن غير مأمُورات بها، وأنَّ ذا القدرة والإرادة لا يعتريهِ عَجز ولا كراهة، وأنَّ المأمور به مع وَعده، وأن المنهيّ عنه مع وعيده، وإنَّ وعد الله حقّ وإنّما توعدون لصادقٌ. ولكن أكثر الناس لا يعلمون. ولا تظنّوا أنَّ فضل الله تعالى فيما مضَى أوسع منه في ما يأتي، غَير أنّ العبد إذا تغيّر بنفسه غيّر ربّه ما كان به، فَما لكم إذا سلكتم الطريق أن لا تدلجُوا حتّى تصلوا، نَعم إنّ العوائقَ والقواطع كثيرة ولا نجاة منها إلا بنصر من الله، وقد قال الله تعالى : { إنْ تَنصرُوا الله ينصُركم وإن يَّنصروا الله فلا غالبَ لكم وإن يخذُ لكُم فمَن ذَا الذي يَنصركُم من بعدَه } [آل عمران، الآية: 160] { واعتَصمُوا بِحبل الله جَميعا ولا تفرّقُوا } { سُورة آل عمران، الآية: 103} { وتُوبوا إلى الله جَميعا أيُّها المُؤمنون لعلّكُم تفلحُون } [سُورة النُّور، الآية:31]. واعلموا أنَّ الدنيا فانية وكلّ من عليها فان وإن الآخرة هي الدار القرار. وأنَّكم قادمون بين يَدي الواحد القهّار. وقد جاء الخطاب قبل ذلك تعليما لما هُنالك فقال جلّ من قائل: { فأما مَنْ طغَى*وآثر الحَياة الدُّنيا *فإنَّ الجَحيمَ هي المأوى* وأمّا مَن خَاف مَقام ربّه*ونَهى النَّفسَ عَن الهَوى*فإنَّ الجنَّةَ هي المأوَى } [سُورة النازعات من الآية: 37- 40] { وَما تُقدّموا لأنفسِكُم مِن خير تَجدُوه عند الله هو خَيرا وَأعظم أجرًا } [ سُورة المزمل، الآية: 20]{ وأنْ ليسَ للإنسَان إلا ما سَعى} [ سُورة النجم، الآية: 39 ] وأنَّ مشقّة الطاعة ينسيها الجزاء الأوفى وأن لذاذة المعصية تسلبها الشقاوة في الأخرى، فاعتبروا يا أولي الأبصار في الذين خلوا من قبلكم، قد فنيت أعمارهم وانقطعت أعمالهم فصاروا سكّان القبور بعد سكنى القصور. فمنهم من يرزقون فرحين بما آتاهم الله من فضله وآخرون نادمُون متألمون ممّا جازاهم من عَدله بما كَسبت أيديهم . { إنَّ الله لا يَظلمُ الناس شَيئا ولكنَّ النّاسَ أنفسَهم يظلمُون} [سُورة يونس، الآية: 44] { ولاتَ حِين منَاص} [سورة ص، الآية: 3]
وأذكركم أيضا ممّا قلت لكم في العام الماضي أمر المسجد كما قلت لكم حرفا بحرف، ومن التّأليف بين قلوبكم، والمُناصحة في أقوالكم وأفعالكم ومُطاوعة أولي الأمر أيّا كانوا وحيث كنتُم بالتأدّب والإصلاح وترك الفساد في الأرض، ولا تملّوا فإنّ الله لا يملُّ حتّى تملّوا.
هذا، وإنّي حَامد لله تعالى شاكر له إليكم، وطالب منه تعالى لي ولكم مغفرة منه ورضوانا إنّه ذو فضل عظيم. والسّلام.
- الوصية الرابعة:
وهذه هي الوصيّة الرّابعة الّتي وجهها إلى النّاس بمناسبة حفلة التّعظيم الّتي تقام سنويا إحياء لذكرى الشيخ الخديم إلى طوبى ألقاها في دار القدّوس، قائلا: الحمد لله ربّ العالمين والصّلاة والسّلام على الهاد الأمين وآله وصحبه أجمعين. أمّا بعد:
فإنّي أسلّم عَليكم أيُّها الإخوان سلاما تامّا، وأعلّمكم بأنّي أحمد إليكم الله الّذي لا إله إلا هو، وأشكره شكرا كثيرا على اجتماعهم هنا في هذا المحل الّذي جمعناكم فيه لأجل التّذكرة والدّعاء من الله امتثالا لقوله تعالى: { وذكّر فإنَّ الذِّكرى تنفع المُؤمنين} [سُورة الذاريات، الآية:55] وقوله: { أدعُونِي أستجِب لكُم} [سُورة غافر، الآية: 60] ونطلب منه سُبحانه وتعالى أن يغفر لنا ولكم ولجميع المُؤمنين والمؤمناتِ والمُسلمين والمُسلمات الأحياء منهم والأموات، وأن يَزيدنا وإيّاكم إيمانا في حُسن خلق ونجاحًا يتبعه فلاح ورحمة منه وعافية.
ثمّ إنّي أوصيكُم ولو لم أكن أهلا لذلك، غير أنّي قدّمت نفسي بتقوى الله تعالى وطاعته والعمل بسنّة رسول الله - صلّى الله عليه وسلّم-{ فلا تغرّنّكُم الحَياةُ الدُّنيا ولا يغرَّنّكم بالله الغَرُورُ} [ سُورة فاطر، الآية 5] واعلموا أن كلّ حيّ سِواه بصير إلى مَمات، وكلّ بناء بصير إلى خراب لأن الدّنيا فانية وكلّ من عليها فان. { واتَّقوا يَوما ترجعُونَ فيه إلى اللهِ } [ سُورة البقرة، الآية:281] { يَوم يفرّ المرءُ من أخيهِ وأمِّه وأبيه وصَاحبته وبَنيه لكلِّ امرئ يَومئذ شَأن يُغنيه} [ سُورة عبس، الآية: 34-37]، يَوم تُجزى كلّ نَفس بما كسَبت لا ظلم هُناك. { مَن عَمل صَالحًا فلنفسِه ومن أساءَ فعليها } [ سُورة فصلت، الآية:46] { وَوجدُوا ما عَملُوا حاضرًا }[ سُورة الكهف، الآية: 49] { إنَّ الله لا يظلم النَّاس شَيئا ولكنَّ النَّاس أنفسَهم يظلمُونَ} [ سُورة يونس، الآية: 44] { واتقُوا الله الّذي إليه تُحشَرونَ } [ سُورة المُجادلة ، الآية: 9] هُو الملك الدَّيان وهو بعباده خبير بَصيرٌ. لا يُسئل عَمّا يفعل، وهو فعّال لما يُريد. فتوبوا إليه قبل الموت وداركوا قبل الفوت وبادروا بالأعمال الصّالحات. { وَما تُقَدّموا لأنفسِكم من خير تجدُوه عند اللهِ هُو خيرًا وأعظم أجرًا } [ سُورة المزمل، الآية: 20] واشكروا نعمة الله عليكم، إذ كرّمكم وفضّلكم على كثير من خلقه تفضيلا كما اخبر به في كتابه العزيز: { هُو الّذي خلقكُم وصَوّركم وأحسَن صُوركم ورزّقكُم من الطّيّباتِ لعلّكم تشكُرون} [ سُورة غافر ، الآية: 64] ومن نِعمه عليكم أن جَعل لكم السّمع والأبصار والأفئدة. ومن المعلوم ضرورة أن الحيَّ لا يستغني عن هذه الأشياء، ولا يمكن لأحد أن ينال شيئا منها إلا بواسطة قدرة الباري ولطفه وإرادته جلّ وعزّ إلى غير ذلك ممّا لا يخفى عليكم ممّا لا يعدّ ولا يحصى من أنواع النّعم. فاجتهدوا في امتثال أوامره واجتاب المناهي، واعلموا أن المنفعة الّتي فِي الأوامر متوجّهة إلى المُمتثلين، وأنَّ المضرّة الّتي في المناهي متوجّهة إلى المرتكبين، لا إلى الآمر والنّاهي، إذ الخالق لا تنفعه العبادة ولا تضرّه المَعصية، إنّما أمرنا بالطاعة ليُدخلنا الجنّة، ونهانا عن المَعصية ليُنجينا من النّار واتقُوا الله وأصلحُوا ذاتَ بينِكم، وليحبّ كلّ أحد منكم لأخيه ما يحبُّ لنفسه، وتحابّوا في الله { وَتعاونُوا عَلى البرّ والتّقوَى ولا تعاونُوا عَلى الإثم والعُدوانِ } [ سُورة المائدة، الآية: 2] وليُراع كلّ أحد منكم ما يحسن به إسلامه من موافقة أهل الدّولة رؤسائها وإسعافهم فيما يريدون من مطالبهم وآرائهم مع الصّبر الجميل على الطّاعة وعلى البلاء، وقد قال تعالى:{ وَلنَبلونّكُم بشَيء من الخَوفِ والجُوعِ ونقْصٍ مِن الأموالِ والأنفس والثّمراتِ وبَشّر الصَّابرينَ الّذين إذا أصابتهم مُصيبة قالوا إنّا لله وإنّا إليه راجعُون أولئكَ عليهم صَلوات من ربِّهم ورحْمة وأُولئكَ هُم المُهتدون} [ سُورة البقرة، الآية: 155-157] ونبتهل إلى الله تعالى أن يُجازيكم عنّا خيرا ويكفينا وإيّاكم ضيرا في الدّارين، وأن يتقبّل منّا ومنكم، وأن يرزقنا السّعادة الدّائمة، وأن يبدّل مكان السّيّئة الحسنة حتّى نرضى جميعا بجاه رسُول الله - صلَّى الله عليه وسلّم- وجاه كلّ من له جاه عند الله. والسَّلام.
- الوصيّة الخامسة
وهذه هي الوصيّة الخامسة الأخيرة من بين هذه الوصايا العامّة وقد ألقاها أيضا في دار القدّوس بمناسبة حفلة التّعظيم الّتي تقام سنويّا - كما أسلفنا - إحياء لذكرى رحيل الشيخ الخديم إلى مولاه الباقي القديم، وهذه هي آخر حفلة حضرها في حياته - رضي الله عنه - وها هي نصّها:
أعوذ بالله، بسم الله، إنّ وليي الله الحمد لله الّذي بنعمته وجلاله تتمّ الصّالحات و الصّلاة والسّلام على محمّد وآله وصحبه أولي المزيّات، أما بعد :
فإنّي أوجّه إليكُم أيّها الإخوان النّازلُونَ في هذه الحضرة في البقعة الّتي لم يقصد بالاجتماع فيها في هذه الأيّام إلا الابتغاءَ وجه الرّبِّ الأعلى، بالتوبة النّصوح والإقبال إلى الله بتلاوة كتابه العزيز، والاتعاظ بالموعظة الحسنة، والاعتبار في أفعال الخالق بخلقه، والتّفكّر في آياته، والدُّعاء لأحياء المسلمين وأمواتهم، امتثالا لأمره تعالى:{ يأيّها الذِين آمنُوا تُوبوا إلى الله تَوبة نصُوحا عَسَى ربُّكم أن يُكفِّر عنكم سيّئاتكُم ويُدخلكُم جنّاتٍ تجري من تَحتها الأنهارُ} [ سُورة التحريم، الآية:8] وقوله تعالى: { إنَّ الّذين يتلُون كتابَ الله وأقامُوا الصَّلاة وأنفقُوا ممّا رزقناهُم سِرًّا وعَلانية يَرجُون تِجارة لن تبُور} [ سُورة فاطر، الآية:25] وقوله تعالى: { أدعُ إلى سَبيلِ ربّك بالحِكمةِ والمَوعظة الحَسنة} [ سُورة النَّحل، الآية: 125] وقوله جلّ وعَزّ: {فَاعتبرُوا يَا أولِي الأبصَار} [ سُورة الحشر، الآية: 2] وقوله تعالى:{ أدعُونِي استَجبْ لكُم } [ سُورة غافر، الآية: 60]
نحمده ونشكُره بجميع مَحامده كلّها ما علمنا منها وما لم نعلم، ونشهده تعالى بأنّا تائبون إليه من جملة الصغائر والكبائر توبة عبد ظالم لا يملك لنفسه نفعا ولا ضرّا، ولا موتا ولا حياة ولا نشُورا، ونستمدّ من بحر جُوده وكرمه وأن يُوفقنا للاستقامة على ما يحبُّ ويرضى، وأن يسبغ علينا نعمه ظاهرة وباطنة مع السّلامة والعافية في الدّنيا والآخرة، واعلموا أيها الإخوان أنَّكم بين أمر ونهي، ووعد ووعيد، والدّنيا دار ممرّ والآخرة دار مقرّ. واعلموا لدنياكم بقدر مقامكم واعلموا لآخرتكم بقدر بقائكم فيها، واعلموا لله بقدر حاجاتكم إليه { يَاأيُّها النّاسُ أنتُم الفُقرَاء إلى اللهِ واللهُ هو الغنّيُّ الحَميدُ } [ سُورة فاطر، الآية: 15] وتأهّبوا ليوم النّشور { ولا يَغرَّنّكم بالله الغَرُورُ} [ سُورة لقمان، الآية: 33] وانظروا إلى مَن كان قبلكم، ومن كان معكُم ممّن سَبقونا إلى دار الحقّ، فيهم من بنوا الدّيور وسكنوا القصور، وصَاروا سُكّان القبور حيث لم يَذكرهم ذَاكر، ولم يَزرهم زائر { ووجَدُوا ما عمِلُوا حَاضرًا } [ سُورة الكهف، الآية: 49] وضاقت الحيل وخابَ من الدُّنيا الأمل ولم يبق إلا الافتقار إلى رَحمة العزيز الغفّار الواحد القهّار، ذلكَ ربّ العالمين ربّ السَّماوات والأرض وما بينهما، الّذي هو أضحك وأبكَى وأنه هو أمات وأحيا. وقد قال تعالى في كتابه العزيز: { وَلو تَرى إذ فَزعُوا فلاَ فوتَ وأُخذوا مِن مَكانٍ قريب} [ سُورة سبأ، الآية: 51] {واستَمعْ يَوْم يُنَاد المُنادِ من مَكانٍ قريبٍ} [سورة ق، الآية: 20] { وترَى النّاس سُكارى ومَا هُم بسُكارَى ولكنَّ عَذابَ الله شَديدٌ}[سورة الحج ، الآية: 2] { ذَلك يوم الوعيد} {وجاءتْ كلُّ نفسٍ مَعها سَائقٌ وشَهيدٌ } [سورة ق، الآية: 21] { يَوم يقُول لِجَهنّم هَل امتلأتِ وتقول هَل مِن مَزيدٍ} [سورة ق، الآية: 30] { يَوم يتذكر الإنسانُ ما سعَى* وبُرّزت الجَحيم لمَن يرَى* فأمّا من طغَى* وآثَر الحَياة الدُّنيا* فإن الجَحيمَ هيَ المأوى }[سورة النازعات، الآية: 35- 39] { إنَّها سَاءَت مُستَقرّا ومُقاما} [سورة الفرقان، الآية: 66] { وهُم يَصْطرخُون فيهَا ربَّنا أخرِجنا نَعمل صَالحًا غيرَ الّذي كُنّا نَعملُ } [ سورة فاطر، الآية:37] { وأمّا مَن خافَ مقام ربّه ونَهى النّفسَ عَن الهوَى فإنَّ الجنةَ هِي المأوى} [سورة النازعات ، الآية:40-41 ] و{حَسُنت مُستقرّا ومُقاما} [ سُورة الفرقان، الآية: 76] {وفِيها ما تَشتهِي الأنفسُ وتلذُّ الأعينُ }[سورة الزُّخرف، الآية:71] فاجتهدوا في امتثال الأوامر وداركوا قبل فواتها، واجتنبوا المناهي قبل لا تنفعكم النّدامة، ولا تقنطوا من رحمة الله،{ واعلمُوا أنَّ الله غفُورٌ حَليمٌ }[ سُورةالبقرة ، الآية: 235] ورحْمته وسعت كلّ شيء { مَن جَاء بالحَسنةِ فله عَشر أمثَالِها ومَن جَاء بالسَّيّئة فلا يُجزى إلا مثلَها }[سُورة الأنعام، الآية: 160] { إنَّما المُؤمنُون إخوةٌ فأصلحُوا بينَ أخوَيْكُم }[سورة الحُجرات، الآية:10] { واتقُوا اللهَ وأصلحُوا ذاتَ بينِكُم} [سورةالأنفال، الآية:1] ولا تباغضوا ولا تحاسدوا { وتَعاونُوا عَلى البِرّ ولا تعَاونُوا عَلى الإثمِ والعُدوانِ } [سورة المائدة، الآية: 2] وتأدّبوا مع رؤسَائكم الدُّنيوية أهل الدّولة ولا تنازعُوهم فيما بينكم ممّا جَعل الله فِي أيدِيهم حيثُ أنهم يعاونوننا فِي دُنيانا ولم يفسدوا علينا في ديننا. وقد قال تعالى في كتابه العزيز:{ لا يَنهَاكُم الله عَن الّذينَ لم يقاتلُوكُم فِي الدّينِ ولم يُخرجوكم من دياركم أن تبرُّوهم وتُقسِطوا إليهِم إنَّ الله يُحبُّ المُقسِطينَ }[سورة الممتحنة، الآية: 8] والسَّلام.
من نَصائحه:
وكان الشيخ محمد المصطفى امباكي يقول: (( أيُّها الإخوة، عليكم أن تحمدُوا الله، لأنَّ صُحبتكم إياي ليست جُهدكم ولا صَلاح أمهاتكم، وإنما قَضاء ربّكم.
كما كان يقول: (( إنِّي لا أضمن لكم-أيها الأتباع- رزقا في الحياة الدنيا، وليسَ لي دخل في الرزق المكتوب على جَبينكم، إلا أن يكون كثيرا، فسأكدُره عليكم. كلما أكسبه لكم هو أنه حين يخرج أتباع الخديم غدا أن تكونوا بينهم مثل القطن المزهر بَين الحَشائش الجافة)) . [ الكتاب المرجع/ الشيخ محمد المصطفى النموذج الأمثل، قراءة في سيرته العطرة إعداد: أكاديمية الشيخ محمد المصطفى لدراسة التراث المريدي الطبعة الأولى، ص(74)].
نصيحة:
وكتبَ الشيخُ أيضا هَذه الوصيّة البالغة لإبن خاله الشّيخ بلّ جُور لوح قائلا:
أوصيكَ أيُّها الأخ بامتثال الأوامر واجتناب المناهي وبالتّوبة النّصوح من كلّ ما صدَر منك ممّا يخالف رضى ربّك الكريم، ولا يشغلنَّك عن المأموراتِ ما تراه يعجبك من زخرف الدّنيا ولذّاتها، لأنّ كلّ من عليها فان ويبقى وَجه ربّك ذُو الجلال والإكرام. واعلم أن العَبد لا بدّ له يَوما يصير فيه موقُوفا بَين يَدي ربّ عليم خبير بحيث لا حاجبَ ولا مانع، ولتُسئلنَّ يومئذ عمّا كنتم تعملون، ويظهر يومئذ أنّ من عَمل صالحا فلنفسه ومن أسَاء فعليها. وليكن فعلك وتركُك لوجه الله تعالى لا للنّفس ولا للنّاس، فإنّ النّفسَ أمّارة بالسّوء، والنّاس لا ثوابَ عندهم ولا عقابَ. فإن تأملت وصيّتي وعَملت بها تكُن من المُفلحين.
جَعلنا الله وإيّاكم من الآمنين الّذين لا خَوفٌ عَليهم ولا هم يحزنُون. والسّلام. [ نقلا عن كتاب" المجمُوعة المباركة التي تشتَمل عَلى وصايا نافعة وأدعية مأثورة لصِنو والدهِ وخليفته الشيخ محمد المصطفى البكيّ - نفعنا الله ببركاته-"، ص: (33) وما بعدها، التي جمعت بإذن من ابنه البر وخليفته المشهور بـ "سَرين امباكي مَدينة" وكتبه أحمد بَشير صلّه بن سرين صلَّه طوبى دار القُدوس، راجعه وصحّحه الشيخ حبيب البكيُّ، والكتاب المرجع/ الشيخ محمد المصطفى، النموذج الأمثل، إعداد: أكاديمية الشيخ محمد المصطفى امباكي لدراسة التراث المريدي، مطبعة دار المعارف الجديدة، الرباط، سنة الطبع 1435ه 2014م، ص: (73)]
هَذا، وبإذن مِن الخليفة الأعظم الشيخ محمد المُصطفى امباكي أورد الشيخ مُوسى كاه هَذه الكلماتِ المفحمةَ المقنعةَ مُعارضا بها أفهامَ الذين كانوا أو كادُوا يُوجّهون إليه انتقادات حَول اتخاذه قرار إقامة التعظيم، فقال:
السَّلام عليكم ورحمة الله تعالى وبَركاته، أما بعد:
فليعلم الواقفُ على هذا الخط بأن الشيخ المُصطفى البكي بن السيد أحمد خديم المُصطفى المكي- صلى الله عليه وسلم- أمر جميع المريدين الصَّادقين المتعلقين بوالده الكريم بأن يجتمعُوا في حَضرة طوبى لزيارة روضتهِ العُظمى في عِشرين من المُحرم كل عام تعظيما لحق اليوم الذي وافَق ذلك العَدد من القُدوم لوجه الله تعالى الباقي القديم، ولتعظيم حُرمة الشيخ الخديم { وَمن يُعظم حُرمات الله فهو خيرٌ له عندَ ربِّه } [الحج، الآية: 30] فإن قيل له ما بالُ التعظيم ؟ قلت: إنه من بعض معاني هذه الآية : { لقَد كان لكُم في رسُول اللهِ أُسوة حَسنة} [الأحزاب، الآية:21] عَن ذوي الاعتبار لأن الشيخ الخديم - رضي الله عنه- أمر جميع المُريدين بتعظيم يوم خروجه من "جُلف" ثمانَ عَشر صَفر لحُرمة الغيبوبة البَحرية إلى خدمة المصطفى- صَلّى الله عليه وسلم-، فإذا أوجبَ على المُريدين تعظيمَ يوم الدُّخول في الخدمة فواجب عليهم تعظيم يَوم التمام. وإذا قيل: لي ما سببُ الدَّعوة من الشيخ المُصطفى لهذا التعظيم مُنذ مضى الوالدُ الخديم إلى ربه المولى الباقي من عام ومسَش (1346ه ) إلى عام حنسَش (1358ه)؟! فقلتُ: أنَّ والده الخديم من الغيبوبة البحرية من عام كسش(1320ه ) ولم يأمر المُريدين إلى أن بلغ عام مسَش (1340ه) في "جُربل" { فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر } [الكهف، الآية: 29] {من عمل صالحا فلنفسِه} [فصلت، الآية:15]. والسَّلام اه. [نقلا عن كتاب" المجمُوعة المباركة التي تشتَمل عَلى وصايا نافعة وأدعية مأثورة لصِنو والدهِ وخَليفته الشيخ محمد المصطفى البكيّ - نفعنا الله تعالى ببركاته-"، ص: (30) وما بعدها، التي جمعت بإذن من ابنه البر وخليفته المشهور بـ "سرين امباكي مَدينة" وكتبه أحمد بَشير صلّه بن سرين صلَّه طوبى دار القُدوس، راجعه وصحّحه الشيخ حبيب البكيُّ].
من أشعاره:
يقُول الشَّيخ مُحمد المصطفى امباكي في قصيدة طويلة يرثي بها عمه الشيخ مام مور جارة امباكي :
غيثِ الأرَاملِ والضِّعاف جَميعِها = فِي عُسر أو يُسر لوجه الرَّازقِ
جَمع المفاخِر والعُلى مُذ هبَّ حتَّـ = تى شَابَ منه بعدُ سُودُ مفارقِ
ويَروقنا فِي هذا المقام أن نقدّم بين أيديكم هَذه المُساجلة الشِّعرية الطريفة التي جَرت بين أحد أهل الشناقطة وبين مشايخ المُريدية ومنهم الشيخ محمد المصطفى امباكي وكان مُستهل هذه المُساجله أحد الشناقطة- رضي الله عنه- الذي يقولُ:
هَل فيكُم مَاجِد نَدْبٌ يَمُنُّ عَلَيْ = بمبُبَّ مَمْ بَخَهْ أو بِتُرْكِ أو بتُبيْ
مَنْ يفعلنْ مِنكمُ هذا على عجلٍ = دِنَالَ عَن عَاجلٍ قبل التريُّثِ فَيْ
وقال سَرين مُور رقية بوسو- رضي الله عنه- :
لو نلْتُ (بَاخَ) أيا صَاحي مجُخْلَكُ تَيْ = قبل الغُروبِ ولكنْ هُوَّ بُرْلَ عَلَيْ
لو قلتَ لي اخترتَ (قُنْطاً) غير (باخَ) تَنَلْ = به وإلا فلا تَظْفَرْ أخي بـِ(تُبَيْ)
وقال الشيخ محمد الفاضل امباكي
- رضي الله عنه- :
فهاكَ بيتينِ عَني دونَ أخذ (تُبَيْ) = إنِّي لذو عجز خلِّي بـ(جُخْلَكُ تَيْ)
والله تالله لولا العقلُ يمنعني = عن نظم شعر ترى مني بأحْسَنَ (وَيْ)
وقال الشيخ محمد المُصطفى امباكي - رضي الله عنه- :
يَا شَاعراً مُفلقا يطوي البلاغة تَيْ = ندِكِهْ مُبُمْ بَخَ مِي مَا لَمْ تنلْه (بَتَيْ)
عَن ذاكَ يَا خلُّ إني كنت معتجباً = والآنَ فَابشرْ بأنِّي (نَكْ دِنَالَكُ مَيْ)
وقال المُوريتاني- رضي الله عنه- :
بادِرْ إلى الوعدِ يا صَاحِي بـ(جُخْ مَكُتَيْ) = يا مُصطفى (يَوْ كِنُنْ) ما لَمْ تَنَلْهُ (بَتَيْ)
ومَا عليكَ بدينٍ، لاَ ولا عجَزٍ = لَكِنْ (بَخَكْ تُركِ دَاوْ يومْبُونَّ وَايِِ دُتَيْ)
* دَعواتٌ وابتهالاتٌ
بسم الله الرّحمن الرّحيم وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وخديمه ووسلَّم تسليما، وبعدُ:
فإنَّ من أدعية وابتهالات مأثُورة من الخليفة الأعظم الشيخ محمد المصطفى امباكِّي هذه القصيدة التي تضرّع بِها إلى الله تعالى وسط ظروف ضاقتْ فيها على النّاس الأرضُ بما رحبت وضاقت عليهم أنفسهم، فقال:
تَكدّرَت الدُّنيا وضَاقت علَى الورَى = فمَا منهُم إلا أخُو البؤسِ والضّرَّا
يَحِنُّ إلى صُغرى المئاربِ ثمّ إن = تحَوّل جَنبا قد يِئنُّ من الكُبْرى
فيَا خالقَ الدُّنيا وضَرّتها معًا = وما فيهِما بدِّل لنا العُسْر ذَا يُسرًا
وفرِّجْ همُومَ المُسلمين وغَمّهمْ = وفكّ أُسَاراهمْ وعجِّل لنا البُشرى
بجَاه عَظيم الجَاه عِندكَ ربَّنا = وجاه ذَوي القُربى وعَنّا اصرف الذّعرَا
فَما لهُمُ من مَلجإ يلتَجَى له = سِواك يُنيلَ الخَير أو يَكشف الضُّرا
عَظيمُ عَظيمٌ ما بِهم فاسْمَعنْ لنَا =
دُعَاء ضِعافٍ ما لهُم غيرُك الدَّهرا وإنّهمُ يرجُونَ مِنكَ إغاثةً = إغاثَة ملهُوف تعمُّهم طُرّا
تَراؤُوا وهَاجُوا في الدُّنا وتحقَّقوا = أنِ النَّصرُ مِن عندِ الإله يُرى نَصرَا
فيَا مَن لدَيه النَّصر والفتح كن لنا = بنَصر وَفتْحٍ خَالدَينِ إلى الأُخرى
بلاَ ضَرر يَنحُو ولا ما يسُوءنا = بأحوَالنا كُلاًّ وأَسبِل لنَا سِترَا
بجَاه رسُول اللهِ صلَّى مسَلما = عليه إلهُ العرشِ ما رَفع الذِّكرى
قصيدة مُصطفوية للاستسقاء
وتضرّع أيضا - رضي الله عنه- بهَذه القَصيدة الاستِسقائية الرّائعة لانقطاعِ نُزول الأمطار مدة من الزمن، وعمّوم الجَفاف الأرض، فقال:
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
اللَّهُمَّ يَا حَيُّ يَا قَيُّومُ يَا مَنْ إِلَيْهِ عَنَتِ الْوُجُوهُ صَلِّ وَسَلِّمْ وَبَارِكْ عَلَى سَيِّدِنَا وَمَوْلَانَا مُحَمَّدٍ وَآلِهِ وَصَحْبِهِ، وَاغْفِرْ لِلْمُؤمِنِينَ وَالْمُؤمِنَاتِ وَالْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ الْأَحْيَاءِ مِنْهُمْ وَالْأَمْوَاتِ، وَفَرِّجْ عَنْ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- بِحَقِّ قَوْلِكَ يَا كَرِيمُ : { إِنَّا صَبَبْنَا الْمَاءَ صَبًّا}[سورة عبس، الآية: 25]:
الْحَمْدُ لِلَّهِ عَـلَى وُجُودِ = رَحْمَتِهِ وَلُطْفِهِ وَالْجُـودِ
نَشْكُرُهُ مِنْ بَعْدِ مَا نَسْتَغْفِرُهْ = مِنَ الذُّنُوبِ كُلِّهَا وَنَذْكُرُهْ
نِعْمَ الْغَفُورُ وَهُوَ الشَّكُـورُ = مِنَّا لَهُ فِي أَبَدٍ شُكُـورُ
الْقَابِلُِ التَّوْبِ وَكَاشِفُِ الضَّرَرْ = الْجَالِبُِ الْخَيْرِ وَدَافِعُِ الْغَـرَرْ
صَلِّ عَـلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدِ = وَآلِهِ وَصَحْبِهِ فِي سَـْرمَدِ
بِحَقِّ وَجْهِهِ الْكَرِيمِ ثُمَّ قَادْ = لَنَا بُشَارَاتٍ وَتَمِّمِ المُرَادْ
بِجَلْبِ مَا نُحِبُّهُ إِلَيْنَا = وَدَفْعِ مَا نكْرَهُهُ لَدَيْنَا
نَطْلُبُ مِنْكَ رَبَّنَا الْغُفْرَانَا = وَلْتَكْفِنَا الْعِصْيَانَ وَالْكُفْرَانَا
أَنْزِلْ لَـنَا سَحَائِبًا مُبَارَكَهْ = تَصْحَبُهَا سَلَامَةٌ وَبَرَكَهْ
أَنْبِتْ بِهَا كُلَّ نَبَاتٍ حَسَنِ = عَنَّا اكْفُ كُلَّ مِحَنٍ وَفِتَنِ
لَكَ الْإِرَادَةُ كَذَاكَ الْقُدْرَهْ = لَيْسَتْ لِغَيْرِكَ دَوَامًا قُدْرَهْ
مَنْ ذَا الذِي يَرْجُو سِوَاكَ أَبَدَا = جَلْبًا وَدَفْعًا هَاهُنَا ثُمَّ غَدَا
الْحَوْلُ وَالْقُوَّةُ يَا رَبِّ بِكَا = لَا بِسِوَاكَ نَصْرُنَا مِنْ عِنْدِكَا
اسْقِ الْبَسَاتِينَ لَنَا جَمِيعَا = مَاءً مُرَوِّيًا يَجِي سَرِيعَا
صُبَّ بِهَا يَا رَبِّ مَاءً صَبَّا = مُبَارَكًا تُنْبِتُ فِيهَا حَبَّا
بِجَاهِ حِبِّكَ رَسُولِكَ الْأَمِينْ = وَجَاهِ صَحْبِهِ خِيَارِ الْعَالَمِينْ
بِهِمْ قِهَا الْجَرَادَ وَالْفَسَادَا = وَلْتَكْفِنَا الْأَمْرَاضَ وَالْكَسَادَا
أَجِبْ دُعَائِي ثُمَّ صَلِّ بِسَلَامْ = وَتَمِّمَنْ قَصْدِي عَلَى خَيْرِ الْأَنَامْ
كما التجأ الشيخ محمد المصطفى امباكي - رضي الله عنه- إلى الله تعالى في أمر الحَرب العالمية الأولى بهاتين الدَّعوتين المُباركتيْن الأُولى بعدَ نشُوبها واندلاعها
بسم الله الرّحمن الرحيم
صلّى الله على سيّدنا ومولانا محمّد وآله وصحبه، واغفر لي ذُنوبي كلها مغفرة عَزما، وَهب لنا السَّلامة والعَافية في الدّين والدّنيا، واسترنا بسترك الجميل، وَهب لنا البركة في خدمنا وفي أولادنا، اللهم اجعلنا غالبين غير مغلوبينَ، وأفحم كلَّ من أراد أن يتكلّم في جنابنا بما لا يسرُّنا، وهبْ لنا الحُجّةَ البالغة، واجْعل حُجّة من يُكابدنا دَاحضة. اللهم لا خير إلا خيرك ولا اعتمادَنا إلا عليكَ، { ربّنا عليكَ توكلنا، وإليك أنبنا وإليك المَصيرُ}[ سورة الممتحنة، الآية: 4].
اللهم استُرنا عند أحبابنَا وعندَ أعدَائنا سِترًا مسبُولا جَميلا دائمًا.
اللهم هَبْ للمُسلمينَ في هَذه الحربِ الجَارية خَيرا وسَلامة من كلِّ ضَير في الدّين والدّنيا، آمين يا ربّ العالمينَ. اه
كما دَعا بالثانية قبل نُشوبهَا
بسم الله الرّحمن الرّحيم
أعوذ بكلمات الله التّامات من شرّ ما خلق "ثلاثا" بسم الله الّذي لا يضرّ مع اسمه شيء في الأرض ولا في السّماء وهو السّميع العليم "ثلاثا". الّلهم صلّ وسلّم وبارك على سيّدنا ومولانا محمّد وآله وصَحبه، وهَب لنا بجاهِه مغفرة عَزما وارحمنا وانصُرنا واسترنا بسترك الجميل يا وليّ يا وكيل، وعافنا في ديننا ودنيانا واعصمنا من جَميع المكاره في الدّنيا والآخرة، واحم جنَابنا عن جميع الفتن والمحَن، وأصلح منّا ما ظهر وما بَطن كي نُسبّحك كثيرًا ونذكرك كثيرا إنّك كنت بنا بَصيرا، يا ذا المُلك والمَلكوتِ يا ذا العزّةِ والجبروت يا من هُو عَلى كلّ شيء قَدير. آمين يا ربّ العالمين. سُبحان ربّك ربِّ العزّة عمّا يصفون، وسلام على المرسلين، والحمد لله ربّ العالمين.
تمَّت
ثم إنَّ هذه الدَّعوةَ الثانية قد سلّمها الشيخ لأهل المُصحف وأمرهم بأن يقرؤوها مع كلّ خَتمة.
أعوذ بالله من الشّيطان الرّجيم
بسم الله الرّحمن الرّحيم الّلهم صلّ وسلّم وبارك على سيّدنا ومولانا محمّد النّبيّ الأميّ، وعلى آله وصحبه صلاة وسلاما وبركة تصلح بها أحوالِي كلّها ظاهرة وباطنة إصلاحا لا فساد بعده أبدا، واغفر لي ذُنوبي كلّها ما تقدّم منها وما تأخّر مَغفرة عَزما، وهبْ لنا العافية والسَّلامة ولجميع الورى، وارحم أمّة محمّد - صلّى الله عليه وسلّم- واعصمهُم من جميع الفتن والمحن، وفَضّلهم على جميع الأنام، وهَبْ لهم من الخُصوصيّة في جميع الخَيرات ما يَغبطهم فيها غيرهم من جميع الورى، وهب لي في سَفري هَذا الّذي أريده كلّما أريده من خيور الدّنيا والآخرة، وهب لي فيه السَّلامة من كلِّ ما أكره ذَهابا وإيابًا،
يَا من له الذّهاب والإياب والغَنيمة والغِبطة، واكتب لي فيه سَعادة لا شقاوة بعدها، واجمع لي شَمل المُريدين فيما أحبُّ كما أحبّ، وهب لنا في بلادنا خِصبا و رغَدا ونموّا في الأموال والأنعام، والحرث وربحا بلا كساد، وانصُرنا واستُرنا واهدِنا إلى صراط المستقيم، صراط الّذين أنعمت عليهم غَير المغضوب عليهم ولا الضّالين، ونجّني يَا ربّ من شَماتة الأعداء، وعُضال الدّاء، وخيبة الرّجاء، وزوال النّعمة، وفجأة النّقمة، آمين.
يَا ربّ العالمين.
ويقول الشيخ محمد المصطفى مُبتهلا إلى الله تعالى في "طائف" مَسكنه المشرّف بهذه الدَّعوة القيمة، فقال:
بسم الله الرحمان الرحيم صلى الله على سيدنا ومولانا محمد وآله وصحبه وسلم تسليما، ربِّ اغفر لي وارحمني واستُرني بسترك الجميل، واهدني إلى صراطكَ المُستقيم، صراط الذين أنعمتَ عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين آمين.
يَا ربِّ حَقّق مَا رجوتُ مِنكَا = ولتكفنِي العِدى مَعا والضَّنكَا
ولتُرني دَأبا جَميع ما يَسُرْ = ولتكف كلّ من يَسوء أو يضُر
وَحسِّنَ التأويلَ فِي رُؤيايَ = واجعله حقًّا طيبًا مَحيايَ
وثبتنِي عَلى الإيمانِ = ثم على الإسلامِ والإحْسانِ
وقوِّني ربِّ على الطاعاتِ = عمّر لي الأوقاتَ والساعاتِ
ولي كُن في حَركاتي سَرمدَا = وسَكناتي بحَال حُمدَا
وباركَن في مَسكنِي وخِدمتِي = وَمائه وزرعِه وتُربتِي
ونجِنّي ربِّ من الفسَادِ = في أيِّ وجه ومن الكسَادِ
وزحزِح العدَى وَهبْ لِي الغلَبه = منهُم وبشِّربي القُرى والطَّلبَه
اللهم يَا ربَّ يا ذا الجلال والإكرام صل وسلم وبارك على سيدنا ومولانا محمد، وآله وصحبه وسلم، وهب لي بجاهه - صلى الله تعالى عليه وسلم- خروج الماء من بِيري هذه التي تحفر هنا، واجعله ماء مباركا عذبا كثيرا طيبا يُبرئ الأسقام ويزيد في الصحة، وأخرجه عَاجلا بحقّ أسمائك وصفاتك العظيمة بلا شيء يسوءني أو يضرني أبدا. يا ربِّ عجل خروج الماء يا ربِّ عجّل خروج الماء، يا ربِّ عجّل خروج الماء. اللهم صلِّ على سيدنا مُحمد وسلّم. [ نقلا عن كتاب" المجمُوعة المباركة التي تشتَمل عَلى وصايا نافعَة وأدعية مأثورة لصِنو والدهِ وخليفته الشيخ محمد المصطفى البكيّ - نفعنا الله تعالى ببَركاته-"، ص: (44) وما بعدها، التي جُمعت بإذن من ابنه البرِّ وخليفته المشهُور بـ "سرين امباكي مَدينة" وكتبه أحمد بَشير صلّه بن سرين صلَّه طوبى دار القُدوس، راجعه وصحّحه الشيخ حبيب البكيُّ، والكتاب المرجع/ الشيخ محمد المصطفى، النموذج الأمثل، إعداد: أكاديمية الشيخ محمد المصطفى امباكي لدراسة التراث المريدي، مطبعة دار المعارف الجديدة، الرباط، سنة الطبع 1435ه 2014م، ص: 77- 78]
بسم الله الرّحمن الرّحيم
وصلّى الله على سيّدنا محمّد وآله وصحبه وسلّم تسليما. لا حول ولا قوّة إلا بالله العليّ العظيم. الّلهمّ صَلّ وسلّم وبارك على سيّدنا ومولانا مُحمّد وآله وصحبه وسلاما وبَركة لا تنقطع عنّي أبدا، واغفر لي ذنوبي كلّها ما تقدّم منها وما تأخّر، واعصمني من جميع ما أخاف واحذر عِصمة تحميني عن كلّ ما أكره من قول أو فعلة ورؤية، وبارك لي في سَفري الّذي أريده في كلّ محلّ كنت فيه أو مررت به، وسَخر لي كلّ من لاقيتُ من المسلمين والنَّصارى من جميع الرّؤساء، وارفعنِي فيه وانفعني واجلب إليَّ أبواب الخيور كلّها والأرزاق الطّيّبة، وهبْ لي فيه السّلامة والعافية ذهابا وإيابا، ووصُولا إلى دَاري بلا شيء يسُوءني أو يضرّني في شيء ما أبدا آمين يَا ربَّ العالمين. الّلهم صَلّ وسلّم وبارك على سَيّدنا ومولانا مُحمّد وآله وصَحبه واغفر لي بجاهه مغفرة عزما، واشهد لي بأنّي حامد وشاكر لك غاية الحَمد والشّكر على جميع ما أوليتني به من النّعم الجليّ والخفيّ، وهب لي عِصمة من الذّنُوب والمعاصي كلّها برحمتك يا أرحم الرّاحمين، وزِدني غبطة ونعمة وعافية في الدّين والدّنيا والآخرة، فإنّي لم أر مثلكَ في الكرم والفضل يالله يا مالك، واشهد لي بأنّي رضيت بك ربّا وبالإسلام دينا وبسيّدنا محمّد - صلّى الله تعالى عليه وسلّم - نبيّا ورسولا، وبوَالدي أحمدَ خَديم عبدِك ورسولٌك وليّا ووسِيلة، وزدني سترا وغلبة على الأعداء، وانصرني عليهم نصرا عَزيزا وأيّدني على طاعتك ليلا ونَهارا، واهدني إلى صِراطك المستقيم، صراط الّذين أنعمت عليهم غير المغضُوب عليهم ولا الضّالين، آمين.
يَا ربّ إنّك سَترتَ عَيبي = ولتعفُ عنّي وملأتَ جَيبي
بِلا عداوة ولا مُنازعهْ = ولا شَقاوة ولا مدافعهْ
إنّكَ ربّنا ونِعمَ الرّبُّ = أنتَ حَبيبُنا ونِعم الحِبُّ
ولا إلهَ غيرُه ولا سِواهْ = يُرجى هُنا وفِي غَدٍ شَدّت قُواهْ
ولم يَكلنا لسِواهُ من أحدْ = لظُلمنا وقُبحِنَا نِعمَ الأحدْ
ياللهُ يا لطيفُ يَا كريمُ = يا مَن له الكمالُ والتّكريمُ
صَلّ صلَاةً بسَلام سَرمدَا = على النّبيّ والرّسُول أحمَدَا
بآله وصَحبِه وزدنِي = هَديًا وتَوفيقا عُلى واعْصمنِي
فقدْ رأَى عَبدُكَ ذا الضّعيفُ = فضْلا عَظِيما منكَ يا لطيفُ
ولا تزلْ تُريه كُلَّ ما تُحبُّ = ودَافعا عنه الّذي ليسَ يُحبُّ
فِي نفسِه وأهلِه فِي ظاهِرِ = وباطن يا عَالمَ الضَّمائرِ
واصرفْ إلى سِواه كُلَّ ذِي شَقا = وكلّ مُثقِل وزِدهُ الارتِقا
واغفِر لهُ جَميع ما عصَاهُ = واعصمْه منه بعدُ يا مَولاهُ
وصلّ سَرمدًا علَى النّبيّ = فِي آلهِ وصَحبه السَّريّ
خَيرَ صلَاة تقبّل الكلَاما = هَذا بهَا وقُد لِيَ المرَاما
وقال الشَّيخ مُحمّد المصطفى الكريم خليفة الشّيخ أحمد الخديم - عليهما أكبر رضوان الله الباقي القديم - أوَّابا مُّنيبا إليه تبارك وتعالى في مَسكنه "حُسن المئاب" التي أسَّسها في سنة 1914م :
أؤُوب إلَى ربِّ البريَّةِ مُذ غَدا = يُحسِّن لِي حُسنَ المئَآبِ مَئابِي
وأرجُو مِن المَولى غَدا أنْ أكُونَ مِن = أناس لهُم طوبَى وحُسن مئَآبُ
الّلهم صلِّ على سيِّدنا محمّد وآله وصَحبه وسَلّم، سُبحان ربّك ربِّ العزّة عمّا يصفون، وسَلام على المرسلين والحمد لله ربِّ العالمين. [ يُراجع: أدعية مُباركة مأثُورة من مُناجاتِ شيخنا الخليفة الأعظم الشّيخ محمّد المصطفى الكريم ابن الشّيخ أحمد الخديم- عليهم أكبر رضوان الله الباقي القديم، ص:( 38- 29) كتبها الأستاذ مام شيخ بن سرين انجاي عَالم، وراجعها وصحَّحها الإمامان سَرين مُصطفى امبَي لُنكور وسَرين بشير صلّه ضَحوة الخميس 16 جمادى الأولى عام دكتش هجرية طوبى دار القدُّوس، وقام بالطّبع والنّثر المُريد الحبيب المشهور بسرين امبَي لنكُور صَاحب" مَكتبة النُّور" بإذن من الشّيخ أحمد المُختار خليفته الحالي].
[ للاستزادة مِن خُطبه وَوصاياه ونَصائحه وأشعاره التي ذكرناها في هذا البَحثِ فليراجع: " المَجمُوعة المباركة التي تشتَمل عَلى وصايا نافعة وأدعية مأثورة لصِنو والدهِ وخليفته الشيخ محمد المُصطفى البكيّ- نفعنا الله تعالى ببركاته-"، التي جمعت بإذن من ابنه البر وخليفته المشهور بـ "سرين امباكي مَدينة" وكتبه أحمد بَشير صلّه بن سرين صلَّه طوبى دار القُدوس، راجعه وصحّحه الشيخ حبيب البكيُّ، والكتاب المرجع/ الشيخ محمد المصطفى، النموذج الأمثل، إعداد: أكاديمية الشيخ محمد المصطفى امباكي لدراسة التراث المريدي، مطبعة دار المعارف الجديدة، الرباط، سنة الطبع 1435ه 2014م، وأيضا: أدعية مُباركة مأثُورة من مُناجاتِ شيخنا الخليفة الأعظم الشّيخ محمّد المصطفى الكريم ابن الشّيخ أحمد الخديم- عليهم أكبر رضوان الله الباقي القديم، كتبها الأستاذ مام شيخ بن سرين انجاي عَالم، وراجعها وصحَّحها الإمامان سَرين مُصطفى امبَي لُنكور وسَرين بشير صلّه ضَحوة الخميس 16 جمادى الأولى عام دكتش هجرية طوبى دار القدُّوس، وقام بالطّبع والنّثر المُريد الحبيب المشهور بسرين امبَي لنكُور صَاحب" مَكتبة النُّور" بإذن من الشّيخ أحمد المُختار خليفته الحالي]
بقلمِ الأخ سَرين امباكي جوب خضر الطوباوي خريج معهد الدروس الإسلامية مدرس اللغة العربية والشريعة في معهد الدروس الإسلامية.
____________________________________________________________
* بعض وَصايا ونَصائح وأشعار الخليفة الأعظم الشيخ مُحمد المُصطفى الكريم
نَودُّ أن نقدِّم للباحثين هنا بعض الخُطب والوصايا الفائقة في البلاغة والفصاحةِ التي كان يَكتبها هَذا الإمام الأعظم فِي المناسبات الاجتماعية كالاحتفال بذكرى رحلة الشيخ الخَديم رضي الله عنه- إلى جِوار ربّه، والنَّصائح التي كان يُسديها إلى مُريديه فَينة بعد فَينة، كما نُتحفكم بأشعاره وأنظامِه التي تَشتملُ بالمدائح البهيّة والمَراثي الفياضة الجياشة والابتهالاتِ.
- الوصية الأولى:
هَذه هي الوصيةُ الأولى التي حثَّ فيها الخليفة الأعظم الشيخ مُحمد المُصطفى البَكيّ جَميع المُريدينَ على القيام بواجباتهم نحو ابتِناء المسجد الجامع في طوبى المَحروسة المهمة التي قد كلَّفه الشيخ الخديم - رضي الله عنه- بتنفيذها، فقال:
بسم الله الرحمان الرحيم صلَّى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه أجمعين.
السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته، أما بعد:
فإنِّي أُوصيكم أيها المُريدون بتقوى الله تعالى بالاجتهاد في امتثال الأوامر واجتناب المَناهي، واعلمُوا أن الإرادة ليست بمُجرّد كلام فحسبُ، بَل إنَّ مَعها قرائنَ تدلُّ على صحَّتها، ألا وهي الصِّدق فِي المحبة والخدمة بقدر الوُسع والحال، فمن صَدق في حُبّ الشيء آثره على الغير، فيُظهر فِي اللسَان ويُؤثر في الجَوارح بالعمل بمقتضاه إنَّ المحبَّ لمن يُحبّ مطيع، { وَلا تُلهِكم أموَالكُم ولا أولادُكم عَن ذِكر اللهِ } [ سُورة المنافقون، الآية: 9] { فلا تغُرنكم الحياةُ الدُّنيا ولا يَغرَّنكم بالله الغَرورُ} [ سُورة فاطر، الآية: 5]، {ومَا هَذه الحياةُ الدُّنيا إلا لَهو ولعبٌ وإنَّ الدَّار الآخرة لهِي الحَيوانُ لو كانُوا يعلمُون }[ سُورة العنكبوت، الآية: 64]، { لَمغفرَة من اللهِ ورَحمَة خَيرٌ مما تجمعُونَ } [ آل عمران، الآية: 157]، { ورِضوانٌ من الله أكبَر ذلكَ هُو الفَوزُ العَظيم } [سُورة التوبة، الآية: 72]، { ولقد صَدقكُم اللهُ وعدَهُ } [ سُورة آل عمران، الآية: 152]، خَلقكم بإرادته لعبادته ورزقكُم أحياء بفضله، وستمُوتون كما تنامُون وتبعثون كما تستيقظونَ، ثم إليه تُرجعُون فيُنبئكم بما كنتُم تعمَلُون.
ألا إنَّ هَذا زمان قد كثُر فيه النِّسيان والمُتغافلون، { ولا تَحسَبن الله غافلا عما يَعمل الظالمونَ} [ سُورة إبراهيم، الآية: 42]، فتُوبوا إلى الله تعالى قبل أن يكُون لكلّ امرئ شأن يُغنيه، واطلبُوا النجاة قبل فواتها، واجتهدوا في المأموراتِ قبل العَجز عنها وانقِضاء إبانها، وإن من أقوَى الأسبابِ لنَجاة المُريد وأنجَح الوسائل له لبُلوغ المُراد أن يُوفق لما اختير له من صَالح الأعمال، ويرزق حسن الإمتثال. فمن سَعادتكم التامة أيُّها المُريدون: وفَوزكم بأوفرِ نَصيب مما تُريدون أن تعتنوا بأمر هذا المَسجد الذي أمر به الشَّيخ الخَديم - رضي الله عنه-، صادقا بفيه أنه إذن من رب العالمين بواسطة سيد المرسلين، أمركم به وبَلَّغتكم { وَما عَلى الرسُول إلا البَلاغُ المُبينُ } [سُورة النُّور، الآية: 54] ، فمَن ظهر في القيام به فسيكُون له ظهور يَسرُّه وينفعُه، والعَكس بالعكس، إلى غير ذلك مما لا يخفى عَلى كثير من المتعلِّقين به ترغيبا وتَرهيبا، وكُونوا أيها المُريدون ممن قيل فيهم: { مِن المُؤمنينَ رجالٌ صَدقوا مَا عاهَدوا الله علَيه فمنهُم مَن قضَى نَحبَه ومنهُم من يَنتظر وما بَدلوا تبْديلاً }[ سُورة الأحزاب، الآية: 23]، وَلا تغيرُوا { إنَّ الله لا يُغيّر ما بقَوم حتَّى يُغيروا مَا بأنفسِهم } [ سُورة الرّعد، الآية:11]، وابذُلوا جُهدَكم فِي هذا الأمر فإنَّ الشيخَ لم يأمُر المُريد لينتفع بنفسِه، بل لينتفع هو، وهَذا الآن أكبر ما أمر به من خدمة لِيعملْ كل منكُم على قدر طاقته، { ليُنْفق ذو سَعة من سَعتِه ومَن قُدِّر عليه رزْقه فلينفِق مِما آتاه اللهُ لا يُكلِّف الله نَفسًا إلا ما آتَاهَا } [سُورة الطلاق، الآية: 7]، واجتَهدوا أيضا فِي إصلاح ذات بيتكم لتَكونُوا يَدا واحدة، وليحبَّ كلّ واحدٍ منكُم لأخيه ما يجبُّ لنفسهِ { وتَعاونُوا عَلى البِر والتَّقوى ولا تَعاونُوا عَلى الإثم والعُدوانِ } [ سُورة المائدة، الآية: 2]، وتَأدبوا مع رؤسَاء أهلِ الأرض بتَرك كلِّ ما يُؤدي إلى تزلزلٍ أو فَسادٍ في الأرض، لأن السَّلام والعافية خَير من غيرهما، فالله يُجزيكم خيرًا أيُّها المُمتَثلون ويتمّم لنا ولكُم المُراد في الدَّارين.
آمين يَا ربَّ العالمين، والسَّلام.
[نقلا عَن كتاب" المجمُوعة المباركة التي تشتَمل عَلى وصايا نافعة وأدعية مأثورة لصِنو والدهِ وخليفته الشيخ محمد المصطفى البكيّ- نفعنا الله ببركاته-"، ص: (3) وما بعدها، التي جمعت بإذن من ابنه البر وخليفته المشهور بـ" سرين امباكي مَدينة" وكتبه أحمد بَشير صلّه بن سرين صلَّه طوبى دار القُدوس، راجعه وصحّحه الشيخ حبيب البكيُّ].
- الوصيّة الثّانية
وهذه هي الوصيّة الثّالثة التي وجَهها إلى النّاس بمناسبة حفلة التعظيم التي تُقام سَنويّا إحياء لذكرى قُدوم الشيخ الخديم إلى طوبى وهي:
بسم الله الرحمن الرحيم وصلّى الله على سيّدنا محمّد. هذا تذكيرٌ لجَميع المُريدين الصَّالحين المتعلّقين بأذيال شَيخنا أحمدَ البكيّ- تغمده الله فسيح جِنانه-، { وذكر فإنَّ الذِّكرى تَنفع المُؤمنينَ} [ سُورة الذاريات، الآية: 55] اعلموا أن شَيخنا أحمد المصطفى البكيّ خليفة أبيه ووارثه جمع الناس ذات يَوم وهو يوم الأحد في طوبى المحروسة من المُحرم في عام حنسَش (1358ه) ووفق عليهم وقُوف الأسد بين الذّئاب أو كالبَدر وسط الشُّهب، ثمّ قال لعمّه الأبرّ الصُّوفيّ الفانِي فِي الله العارق به الشيخ مصمب البكيّ فقُل لجميع النّاس الحَافظين القُرآن أن يقرؤوا عدد اثنيْ عشَر مصحفا في محراب بناء الجامع، ثمّ تقلْ لاثنيْ عَشر رجلا من الحَافظين أن يقرؤوا اثنيْ عَشر مُصحفا حَول البناء، ثمّ اختر أربعة من الحَافظين ليقرؤوا أربعة مصَاحف في داخلِ الرّوضة الشَّريفة عِند الأركان الأربعة. ويكُون عدد جميع المَصاحف ثمانيةً وعشرين مُصحفا وهو وافق عَدد حُروف "طوبى" وفي ذلك العدد سِرّ مكتُوم لشيخنا الخديم -رضي الله عنه-، ثمّ بعد ذلك أمر القارئينَ الذين يقرؤون قصائد شيخنا الخديم التّي المتضمّنة بمدح رسول الله- صلّى الله عليه وسلّم- كـ"جذب القلوب إلى علاّم الغيوب، ومواهب النّافع، في مَدائح الشّافع، ومقدّمات الأمداح في مزايا المفتاح، والميمية" بأن يُديموا القراءة عند أركان البناء الأربعة لكلِّ ركن قصيدة ثمّ أمر الباقين من النّاس بالمواظبه على الذكر والصَّلاة على النّبيّ والدّعاء والصّدقة والتَّوبة زُمرا زُمرا حتى نهاية اليوم. فلمّا همَّ بِالانصراف إلى دار القدّوس التّي لم يدخل فيها إبليس توجّه إلى الناس ووصّاهم بهذه الوصيّة التي يقول فيها:
أيُّها النَّاس: إنّما جَمعتكم هذا الاجتماع لأذكركم يَوم الجَمع الّذي لا ريبَ فيه، وهذا اليوم يُصادفُ يوم رحيل الشيخ الخديم إلى جَنّة ربّه لأذكّركُم أنَّ { كلَّ نَفس ذَائقة المَوت} [ سُورة آل عمران ، الآية: 185] { وأيْنمَا تكُونوا يُدرككُم المَوتُ ولو كُنتم فِي بُروج مُشيّدة} [ سُورة النّساء، الآية: 78] {وتُوبوا إلى الله جَميعا أيُّها المُؤمنُون لعلَّكم تُفلحُون} [ سُورة النُّور، الآية:31]، { واعبدُوا الله مُخلصينَ له الدّينَ}، {وَلا تتفرَّقُوا فيهِ} [سورة الشورى، الآية: 13].
فليكُن هَذا الاجتِماع سَنويًّا على هذه العقائد والمقاصدِ فاجتهدوا في امتثالِ الأوامر واجتناب النّواهي لأنّ الأوامر طرق الجنّة الّتي وعد المتَّقون، والنَّواهي طُرق النّار الّتي وقودها النّاس والحجارة والعياذ بالله، فمن ركبَ جَواد الأمر وركضه بسَاقي الجدّ واجتناب النهي، كرَّ به وسَط الجِنان، ومن ركبَ جواد النهي وركضه بسَاقي النَّفس والهَوى كرَّ به وسَط النار. فلينظُر العاقل الماهر أيُّهما يَركب قَبل الانطلاق وليستعدَّ قبل أن يُّدركه الموت بغتة، وينزله جَواده علَى اللحد ويَكسر صُلبه ولا ينجبر أبدا، لما قال الشاعر:
فالكَسر من ذِي امتثال الأمر مُنجبر = والكَسر من ذِي اقتِحام غيرُ مُنجبر
فلذلك أدعُوكم إلى الله قبل أن يدعُوكم و نَصحتُ لكم، ولكن لا تحبّون النَّاصحين لتعرفُوا أنَّ قطاع الطرق المُوصلة إلى الله مُنتشرون في كلِّ مكانٍ ولأنّ السّبل المضلّة عن المِنهاج كثيرة في هذه الأزمنة، {فاعتبِروا يا أولي الأبصار} [سُورة الحشر، الآية: 2] { فلا تغرّنَّكم الحَياةُ الدُّنيا وَلا يَغرَّنّكم بالله الغَرورُ } [سُورة فاطر، الآية: 4]. والسّلام ورحمة الله وبركاته.
تنبيه: هَذه الوصية جَدّدها وأمر بطبعها ونشرها وترجمتها إلى جميع اللغات لمنفعة المُسلمين " الشيخ محمد امباكي طائف".
- الوصيّة الثالثة
والوصيّة الثانية هذه ألقاها في البقعة المباركة "جربل" في غرّة شهر رمضان المبارك، فقال:
بسم الله الرحمن الرحيم وصلّى الله على سيّدنا محمّد وآله وصحبه وسلّم اعلموا أيُّها الإخوانُ المُريدون أنَّما جمعتكم في هذا اليوم المبارك في هذا الشَّهر المبارك في هذه البقعة المباركة لأذكّركم، فإنَّ الذكرى تنفع المؤمنين. وأوصيكُم بتقوى الله في السّرِّ والعَلانية بالاجتهاد فِي امتثال الأوامر واجتناب المناهي، واعلموا أنَّ المأموراتِ بها إلى الآن غير منهيّات عنها، وأن المنهيّاتِ عنها إلى الآن غير مأمُورات بها، وأنَّ ذا القدرة والإرادة لا يعتريهِ عَجز ولا كراهة، وأنَّ المأمور به مع وَعده، وأن المنهيّ عنه مع وعيده، وإنَّ وعد الله حقّ وإنّما توعدون لصادقٌ. ولكن أكثر الناس لا يعلمون. ولا تظنّوا أنَّ فضل الله تعالى فيما مضَى أوسع منه في ما يأتي، غَير أنّ العبد إذا تغيّر بنفسه غيّر ربّه ما كان به، فَما لكم إذا سلكتم الطريق أن لا تدلجُوا حتّى تصلوا، نَعم إنّ العوائقَ والقواطع كثيرة ولا نجاة منها إلا بنصر من الله، وقد قال الله تعالى : { إنْ تَنصرُوا الله ينصُركم وإن يَّنصروا الله فلا غالبَ لكم وإن يخذُ لكُم فمَن ذَا الذي يَنصركُم من بعدَه } [آل عمران، الآية: 160] { واعتَصمُوا بِحبل الله جَميعا ولا تفرّقُوا } { سُورة آل عمران، الآية: 103} { وتُوبوا إلى الله جَميعا أيُّها المُؤمنون لعلّكُم تفلحُون } [سُورة النُّور، الآية:31]. واعلموا أنَّ الدنيا فانية وكلّ من عليها فان وإن الآخرة هي الدار القرار. وأنَّكم قادمون بين يَدي الواحد القهّار. وقد جاء الخطاب قبل ذلك تعليما لما هُنالك فقال جلّ من قائل: { فأما مَنْ طغَى*وآثر الحَياة الدُّنيا *فإنَّ الجَحيمَ هي المأوى* وأمّا مَن خَاف مَقام ربّه*ونَهى النَّفسَ عَن الهَوى*فإنَّ الجنَّةَ هي المأوَى } [سُورة النازعات من الآية: 37- 40] { وَما تُقدّموا لأنفسِكُم مِن خير تَجدُوه عند الله هو خَيرا وَأعظم أجرًا } [ سُورة المزمل، الآية: 20]{ وأنْ ليسَ للإنسَان إلا ما سَعى} [ سُورة النجم، الآية: 39 ] وأنَّ مشقّة الطاعة ينسيها الجزاء الأوفى وأن لذاذة المعصية تسلبها الشقاوة في الأخرى، فاعتبروا يا أولي الأبصار في الذين خلوا من قبلكم، قد فنيت أعمارهم وانقطعت أعمالهم فصاروا سكّان القبور بعد سكنى القصور. فمنهم من يرزقون فرحين بما آتاهم الله من فضله وآخرون نادمُون متألمون ممّا جازاهم من عَدله بما كَسبت أيديهم . { إنَّ الله لا يَظلمُ الناس شَيئا ولكنَّ النّاسَ أنفسَهم يظلمُون} [سُورة يونس، الآية: 44] { ولاتَ حِين منَاص} [سورة ص، الآية: 3]
وأذكركم أيضا ممّا قلت لكم في العام الماضي أمر المسجد كما قلت لكم حرفا بحرف، ومن التّأليف بين قلوبكم، والمُناصحة في أقوالكم وأفعالكم ومُطاوعة أولي الأمر أيّا كانوا وحيث كنتُم بالتأدّب والإصلاح وترك الفساد في الأرض، ولا تملّوا فإنّ الله لا يملُّ حتّى تملّوا.
هذا، وإنّي حَامد لله تعالى شاكر له إليكم، وطالب منه تعالى لي ولكم مغفرة منه ورضوانا إنّه ذو فضل عظيم. والسّلام.
- الوصية الرابعة:
وهذه هي الوصيّة الرّابعة الّتي وجهها إلى النّاس بمناسبة حفلة التّعظيم الّتي تقام سنويا إحياء لذكرى الشيخ الخديم إلى طوبى ألقاها في دار القدّوس، قائلا: الحمد لله ربّ العالمين والصّلاة والسّلام على الهاد الأمين وآله وصحبه أجمعين. أمّا بعد:
فإنّي أسلّم عَليكم أيُّها الإخوان سلاما تامّا، وأعلّمكم بأنّي أحمد إليكم الله الّذي لا إله إلا هو، وأشكره شكرا كثيرا على اجتماعهم هنا في هذا المحل الّذي جمعناكم فيه لأجل التّذكرة والدّعاء من الله امتثالا لقوله تعالى: { وذكّر فإنَّ الذِّكرى تنفع المُؤمنين} [سُورة الذاريات، الآية:55] وقوله: { أدعُونِي أستجِب لكُم} [سُورة غافر، الآية: 60] ونطلب منه سُبحانه وتعالى أن يغفر لنا ولكم ولجميع المُؤمنين والمؤمناتِ والمُسلمين والمُسلمات الأحياء منهم والأموات، وأن يَزيدنا وإيّاكم إيمانا في حُسن خلق ونجاحًا يتبعه فلاح ورحمة منه وعافية.
ثمّ إنّي أوصيكُم ولو لم أكن أهلا لذلك، غير أنّي قدّمت نفسي بتقوى الله تعالى وطاعته والعمل بسنّة رسول الله - صلّى الله عليه وسلّم-{ فلا تغرّنّكُم الحَياةُ الدُّنيا ولا يغرَّنّكم بالله الغَرُورُ} [ سُورة فاطر، الآية 5] واعلموا أن كلّ حيّ سِواه بصير إلى مَمات، وكلّ بناء بصير إلى خراب لأن الدّنيا فانية وكلّ من عليها فان. { واتَّقوا يَوما ترجعُونَ فيه إلى اللهِ } [ سُورة البقرة، الآية:281] { يَوم يفرّ المرءُ من أخيهِ وأمِّه وأبيه وصَاحبته وبَنيه لكلِّ امرئ يَومئذ شَأن يُغنيه} [ سُورة عبس، الآية: 34-37]، يَوم تُجزى كلّ نَفس بما كسَبت لا ظلم هُناك. { مَن عَمل صَالحًا فلنفسِه ومن أساءَ فعليها } [ سُورة فصلت، الآية:46] { وَوجدُوا ما عَملُوا حاضرًا }[ سُورة الكهف، الآية: 49] { إنَّ الله لا يظلم النَّاس شَيئا ولكنَّ النَّاس أنفسَهم يظلمُونَ} [ سُورة يونس، الآية: 44] { واتقُوا الله الّذي إليه تُحشَرونَ } [ سُورة المُجادلة ، الآية: 9] هُو الملك الدَّيان وهو بعباده خبير بَصيرٌ. لا يُسئل عَمّا يفعل، وهو فعّال لما يُريد. فتوبوا إليه قبل الموت وداركوا قبل الفوت وبادروا بالأعمال الصّالحات. { وَما تُقَدّموا لأنفسِكم من خير تجدُوه عند اللهِ هُو خيرًا وأعظم أجرًا } [ سُورة المزمل، الآية: 20] واشكروا نعمة الله عليكم، إذ كرّمكم وفضّلكم على كثير من خلقه تفضيلا كما اخبر به في كتابه العزيز: { هُو الّذي خلقكُم وصَوّركم وأحسَن صُوركم ورزّقكُم من الطّيّباتِ لعلّكم تشكُرون} [ سُورة غافر ، الآية: 64] ومن نِعمه عليكم أن جَعل لكم السّمع والأبصار والأفئدة. ومن المعلوم ضرورة أن الحيَّ لا يستغني عن هذه الأشياء، ولا يمكن لأحد أن ينال شيئا منها إلا بواسطة قدرة الباري ولطفه وإرادته جلّ وعزّ إلى غير ذلك ممّا لا يخفى عليكم ممّا لا يعدّ ولا يحصى من أنواع النّعم. فاجتهدوا في امتثال أوامره واجتاب المناهي، واعلموا أن المنفعة الّتي فِي الأوامر متوجّهة إلى المُمتثلين، وأنَّ المضرّة الّتي في المناهي متوجّهة إلى المرتكبين، لا إلى الآمر والنّاهي، إذ الخالق لا تنفعه العبادة ولا تضرّه المَعصية، إنّما أمرنا بالطاعة ليُدخلنا الجنّة، ونهانا عن المَعصية ليُنجينا من النّار واتقُوا الله وأصلحُوا ذاتَ بينِكم، وليحبّ كلّ أحد منكم لأخيه ما يحبُّ لنفسه، وتحابّوا في الله { وَتعاونُوا عَلى البرّ والتّقوَى ولا تعاونُوا عَلى الإثم والعُدوانِ } [ سُورة المائدة، الآية: 2] وليُراع كلّ أحد منكم ما يحسن به إسلامه من موافقة أهل الدّولة رؤسائها وإسعافهم فيما يريدون من مطالبهم وآرائهم مع الصّبر الجميل على الطّاعة وعلى البلاء، وقد قال تعالى:{ وَلنَبلونّكُم بشَيء من الخَوفِ والجُوعِ ونقْصٍ مِن الأموالِ والأنفس والثّمراتِ وبَشّر الصَّابرينَ الّذين إذا أصابتهم مُصيبة قالوا إنّا لله وإنّا إليه راجعُون أولئكَ عليهم صَلوات من ربِّهم ورحْمة وأُولئكَ هُم المُهتدون} [ سُورة البقرة، الآية: 155-157] ونبتهل إلى الله تعالى أن يُجازيكم عنّا خيرا ويكفينا وإيّاكم ضيرا في الدّارين، وأن يتقبّل منّا ومنكم، وأن يرزقنا السّعادة الدّائمة، وأن يبدّل مكان السّيّئة الحسنة حتّى نرضى جميعا بجاه رسُول الله - صلَّى الله عليه وسلّم- وجاه كلّ من له جاه عند الله. والسَّلام.
- الوصيّة الخامسة
وهذه هي الوصيّة الخامسة الأخيرة من بين هذه الوصايا العامّة وقد ألقاها أيضا في دار القدّوس بمناسبة حفلة التّعظيم الّتي تقام سنويّا - كما أسلفنا - إحياء لذكرى رحيل الشيخ الخديم إلى مولاه الباقي القديم، وهذه هي آخر حفلة حضرها في حياته - رضي الله عنه - وها هي نصّها:
أعوذ بالله، بسم الله، إنّ وليي الله الحمد لله الّذي بنعمته وجلاله تتمّ الصّالحات و الصّلاة والسّلام على محمّد وآله وصحبه أولي المزيّات، أما بعد :
فإنّي أوجّه إليكُم أيّها الإخوان النّازلُونَ في هذه الحضرة في البقعة الّتي لم يقصد بالاجتماع فيها في هذه الأيّام إلا الابتغاءَ وجه الرّبِّ الأعلى، بالتوبة النّصوح والإقبال إلى الله بتلاوة كتابه العزيز، والاتعاظ بالموعظة الحسنة، والاعتبار في أفعال الخالق بخلقه، والتّفكّر في آياته، والدُّعاء لأحياء المسلمين وأمواتهم، امتثالا لأمره تعالى:{ يأيّها الذِين آمنُوا تُوبوا إلى الله تَوبة نصُوحا عَسَى ربُّكم أن يُكفِّر عنكم سيّئاتكُم ويُدخلكُم جنّاتٍ تجري من تَحتها الأنهارُ} [ سُورة التحريم، الآية:8] وقوله تعالى: { إنَّ الّذين يتلُون كتابَ الله وأقامُوا الصَّلاة وأنفقُوا ممّا رزقناهُم سِرًّا وعَلانية يَرجُون تِجارة لن تبُور} [ سُورة فاطر، الآية:25] وقوله تعالى: { أدعُ إلى سَبيلِ ربّك بالحِكمةِ والمَوعظة الحَسنة} [ سُورة النَّحل، الآية: 125] وقوله جلّ وعَزّ: {فَاعتبرُوا يَا أولِي الأبصَار} [ سُورة الحشر، الآية: 2] وقوله تعالى:{ أدعُونِي استَجبْ لكُم } [ سُورة غافر، الآية: 60]
نحمده ونشكُره بجميع مَحامده كلّها ما علمنا منها وما لم نعلم، ونشهده تعالى بأنّا تائبون إليه من جملة الصغائر والكبائر توبة عبد ظالم لا يملك لنفسه نفعا ولا ضرّا، ولا موتا ولا حياة ولا نشُورا، ونستمدّ من بحر جُوده وكرمه وأن يُوفقنا للاستقامة على ما يحبُّ ويرضى، وأن يسبغ علينا نعمه ظاهرة وباطنة مع السّلامة والعافية في الدّنيا والآخرة، واعلموا أيها الإخوان أنَّكم بين أمر ونهي، ووعد ووعيد، والدّنيا دار ممرّ والآخرة دار مقرّ. واعلموا لدنياكم بقدر مقامكم واعلموا لآخرتكم بقدر بقائكم فيها، واعلموا لله بقدر حاجاتكم إليه { يَاأيُّها النّاسُ أنتُم الفُقرَاء إلى اللهِ واللهُ هو الغنّيُّ الحَميدُ } [ سُورة فاطر، الآية: 15] وتأهّبوا ليوم النّشور { ولا يَغرَّنّكم بالله الغَرُورُ} [ سُورة لقمان، الآية: 33] وانظروا إلى مَن كان قبلكم، ومن كان معكُم ممّن سَبقونا إلى دار الحقّ، فيهم من بنوا الدّيور وسكنوا القصور، وصَاروا سُكّان القبور حيث لم يَذكرهم ذَاكر، ولم يَزرهم زائر { ووجَدُوا ما عمِلُوا حَاضرًا } [ سُورة الكهف، الآية: 49] وضاقت الحيل وخابَ من الدُّنيا الأمل ولم يبق إلا الافتقار إلى رَحمة العزيز الغفّار الواحد القهّار، ذلكَ ربّ العالمين ربّ السَّماوات والأرض وما بينهما، الّذي هو أضحك وأبكَى وأنه هو أمات وأحيا. وقد قال تعالى في كتابه العزيز: { وَلو تَرى إذ فَزعُوا فلاَ فوتَ وأُخذوا مِن مَكانٍ قريب} [ سُورة سبأ، الآية: 51] {واستَمعْ يَوْم يُنَاد المُنادِ من مَكانٍ قريبٍ} [سورة ق، الآية: 20] { وترَى النّاس سُكارى ومَا هُم بسُكارَى ولكنَّ عَذابَ الله شَديدٌ}[سورة الحج ، الآية: 2] { ذَلك يوم الوعيد} {وجاءتْ كلُّ نفسٍ مَعها سَائقٌ وشَهيدٌ } [سورة ق، الآية: 21] { يَوم يقُول لِجَهنّم هَل امتلأتِ وتقول هَل مِن مَزيدٍ} [سورة ق، الآية: 30] { يَوم يتذكر الإنسانُ ما سعَى* وبُرّزت الجَحيم لمَن يرَى* فأمّا من طغَى* وآثَر الحَياة الدُّنيا* فإن الجَحيمَ هيَ المأوى }[سورة النازعات، الآية: 35- 39] { إنَّها سَاءَت مُستَقرّا ومُقاما} [سورة الفرقان، الآية: 66] { وهُم يَصْطرخُون فيهَا ربَّنا أخرِجنا نَعمل صَالحًا غيرَ الّذي كُنّا نَعملُ } [ سورة فاطر، الآية:37] { وأمّا مَن خافَ مقام ربّه ونَهى النّفسَ عَن الهوَى فإنَّ الجنةَ هِي المأوى} [سورة النازعات ، الآية:40-41 ] و{حَسُنت مُستقرّا ومُقاما} [ سُورة الفرقان، الآية: 76] {وفِيها ما تَشتهِي الأنفسُ وتلذُّ الأعينُ }[سورة الزُّخرف، الآية:71] فاجتهدوا في امتثال الأوامر وداركوا قبل فواتها، واجتنبوا المناهي قبل لا تنفعكم النّدامة، ولا تقنطوا من رحمة الله،{ واعلمُوا أنَّ الله غفُورٌ حَليمٌ }[ سُورةالبقرة ، الآية: 235] ورحْمته وسعت كلّ شيء { مَن جَاء بالحَسنةِ فله عَشر أمثَالِها ومَن جَاء بالسَّيّئة فلا يُجزى إلا مثلَها }[سُورة الأنعام، الآية: 160] { إنَّما المُؤمنُون إخوةٌ فأصلحُوا بينَ أخوَيْكُم }[سورة الحُجرات، الآية:10] { واتقُوا اللهَ وأصلحُوا ذاتَ بينِكُم} [سورةالأنفال، الآية:1] ولا تباغضوا ولا تحاسدوا { وتَعاونُوا عَلى البِرّ ولا تعَاونُوا عَلى الإثمِ والعُدوانِ } [سورة المائدة، الآية: 2] وتأدّبوا مع رؤسَائكم الدُّنيوية أهل الدّولة ولا تنازعُوهم فيما بينكم ممّا جَعل الله فِي أيدِيهم حيثُ أنهم يعاونوننا فِي دُنيانا ولم يفسدوا علينا في ديننا. وقد قال تعالى في كتابه العزيز:{ لا يَنهَاكُم الله عَن الّذينَ لم يقاتلُوكُم فِي الدّينِ ولم يُخرجوكم من دياركم أن تبرُّوهم وتُقسِطوا إليهِم إنَّ الله يُحبُّ المُقسِطينَ }[سورة الممتحنة، الآية: 8] والسَّلام.
من نَصائحه:
وكان الشيخ محمد المصطفى امباكي يقول: (( أيُّها الإخوة، عليكم أن تحمدُوا الله، لأنَّ صُحبتكم إياي ليست جُهدكم ولا صَلاح أمهاتكم، وإنما قَضاء ربّكم.
كما كان يقول: (( إنِّي لا أضمن لكم-أيها الأتباع- رزقا في الحياة الدنيا، وليسَ لي دخل في الرزق المكتوب على جَبينكم، إلا أن يكون كثيرا، فسأكدُره عليكم. كلما أكسبه لكم هو أنه حين يخرج أتباع الخديم غدا أن تكونوا بينهم مثل القطن المزهر بَين الحَشائش الجافة)) . [ الكتاب المرجع/ الشيخ محمد المصطفى النموذج الأمثل، قراءة في سيرته العطرة إعداد: أكاديمية الشيخ محمد المصطفى لدراسة التراث المريدي الطبعة الأولى، ص(74)].
نصيحة:
وكتبَ الشيخُ أيضا هَذه الوصيّة البالغة لإبن خاله الشّيخ بلّ جُور لوح قائلا:
أوصيكَ أيُّها الأخ بامتثال الأوامر واجتناب المناهي وبالتّوبة النّصوح من كلّ ما صدَر منك ممّا يخالف رضى ربّك الكريم، ولا يشغلنَّك عن المأموراتِ ما تراه يعجبك من زخرف الدّنيا ولذّاتها، لأنّ كلّ من عليها فان ويبقى وَجه ربّك ذُو الجلال والإكرام. واعلم أن العَبد لا بدّ له يَوما يصير فيه موقُوفا بَين يَدي ربّ عليم خبير بحيث لا حاجبَ ولا مانع، ولتُسئلنَّ يومئذ عمّا كنتم تعملون، ويظهر يومئذ أنّ من عَمل صالحا فلنفسه ومن أسَاء فعليها. وليكن فعلك وتركُك لوجه الله تعالى لا للنّفس ولا للنّاس، فإنّ النّفسَ أمّارة بالسّوء، والنّاس لا ثوابَ عندهم ولا عقابَ. فإن تأملت وصيّتي وعَملت بها تكُن من المُفلحين.
جَعلنا الله وإيّاكم من الآمنين الّذين لا خَوفٌ عَليهم ولا هم يحزنُون. والسّلام. [ نقلا عن كتاب" المجمُوعة المباركة التي تشتَمل عَلى وصايا نافعة وأدعية مأثورة لصِنو والدهِ وخليفته الشيخ محمد المصطفى البكيّ - نفعنا الله ببركاته-"، ص: (33) وما بعدها، التي جمعت بإذن من ابنه البر وخليفته المشهور بـ "سَرين امباكي مَدينة" وكتبه أحمد بَشير صلّه بن سرين صلَّه طوبى دار القُدوس، راجعه وصحّحه الشيخ حبيب البكيُّ، والكتاب المرجع/ الشيخ محمد المصطفى، النموذج الأمثل، إعداد: أكاديمية الشيخ محمد المصطفى امباكي لدراسة التراث المريدي، مطبعة دار المعارف الجديدة، الرباط، سنة الطبع 1435ه 2014م، ص: (73)]
هَذا، وبإذن مِن الخليفة الأعظم الشيخ محمد المُصطفى امباكي أورد الشيخ مُوسى كاه هَذه الكلماتِ المفحمةَ المقنعةَ مُعارضا بها أفهامَ الذين كانوا أو كادُوا يُوجّهون إليه انتقادات حَول اتخاذه قرار إقامة التعظيم، فقال:
السَّلام عليكم ورحمة الله تعالى وبَركاته، أما بعد:
فليعلم الواقفُ على هذا الخط بأن الشيخ المُصطفى البكي بن السيد أحمد خديم المُصطفى المكي- صلى الله عليه وسلم- أمر جميع المريدين الصَّادقين المتعلقين بوالده الكريم بأن يجتمعُوا في حَضرة طوبى لزيارة روضتهِ العُظمى في عِشرين من المُحرم كل عام تعظيما لحق اليوم الذي وافَق ذلك العَدد من القُدوم لوجه الله تعالى الباقي القديم، ولتعظيم حُرمة الشيخ الخديم { وَمن يُعظم حُرمات الله فهو خيرٌ له عندَ ربِّه } [الحج، الآية: 30] فإن قيل له ما بالُ التعظيم ؟ قلت: إنه من بعض معاني هذه الآية : { لقَد كان لكُم في رسُول اللهِ أُسوة حَسنة} [الأحزاب، الآية:21] عَن ذوي الاعتبار لأن الشيخ الخديم - رضي الله عنه- أمر جميع المُريدين بتعظيم يوم خروجه من "جُلف" ثمانَ عَشر صَفر لحُرمة الغيبوبة البَحرية إلى خدمة المصطفى- صَلّى الله عليه وسلم-، فإذا أوجبَ على المُريدين تعظيمَ يوم الدُّخول في الخدمة فواجب عليهم تعظيم يَوم التمام. وإذا قيل: لي ما سببُ الدَّعوة من الشيخ المُصطفى لهذا التعظيم مُنذ مضى الوالدُ الخديم إلى ربه المولى الباقي من عام ومسَش (1346ه ) إلى عام حنسَش (1358ه)؟! فقلتُ: أنَّ والده الخديم من الغيبوبة البحرية من عام كسش(1320ه ) ولم يأمر المُريدين إلى أن بلغ عام مسَش (1340ه) في "جُربل" { فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر } [الكهف، الآية: 29] {من عمل صالحا فلنفسِه} [فصلت، الآية:15]. والسَّلام اه. [نقلا عن كتاب" المجمُوعة المباركة التي تشتَمل عَلى وصايا نافعة وأدعية مأثورة لصِنو والدهِ وخَليفته الشيخ محمد المصطفى البكيّ - نفعنا الله تعالى ببركاته-"، ص: (30) وما بعدها، التي جمعت بإذن من ابنه البر وخليفته المشهور بـ "سرين امباكي مَدينة" وكتبه أحمد بَشير صلّه بن سرين صلَّه طوبى دار القُدوس، راجعه وصحّحه الشيخ حبيب البكيُّ].
من أشعاره:
يقُول الشَّيخ مُحمد المصطفى امباكي في قصيدة طويلة يرثي بها عمه الشيخ مام مور جارة امباكي :
غيثِ الأرَاملِ والضِّعاف جَميعِها = فِي عُسر أو يُسر لوجه الرَّازقِ
جَمع المفاخِر والعُلى مُذ هبَّ حتَّـ = تى شَابَ منه بعدُ سُودُ مفارقِ
ويَروقنا فِي هذا المقام أن نقدّم بين أيديكم هَذه المُساجلة الشِّعرية الطريفة التي جَرت بين أحد أهل الشناقطة وبين مشايخ المُريدية ومنهم الشيخ محمد المصطفى امباكي وكان مُستهل هذه المُساجله أحد الشناقطة- رضي الله عنه- الذي يقولُ:
هَل فيكُم مَاجِد نَدْبٌ يَمُنُّ عَلَيْ = بمبُبَّ مَمْ بَخَهْ أو بِتُرْكِ أو بتُبيْ
مَنْ يفعلنْ مِنكمُ هذا على عجلٍ = دِنَالَ عَن عَاجلٍ قبل التريُّثِ فَيْ
وقال سَرين مُور رقية بوسو- رضي الله عنه- :
لو نلْتُ (بَاخَ) أيا صَاحي مجُخْلَكُ تَيْ = قبل الغُروبِ ولكنْ هُوَّ بُرْلَ عَلَيْ
لو قلتَ لي اخترتَ (قُنْطاً) غير (باخَ) تَنَلْ = به وإلا فلا تَظْفَرْ أخي بـِ(تُبَيْ)
وقال الشيخ محمد الفاضل امباكي
- رضي الله عنه- :
فهاكَ بيتينِ عَني دونَ أخذ (تُبَيْ) = إنِّي لذو عجز خلِّي بـ(جُخْلَكُ تَيْ)
والله تالله لولا العقلُ يمنعني = عن نظم شعر ترى مني بأحْسَنَ (وَيْ)
وقال الشيخ محمد المُصطفى امباكي - رضي الله عنه- :
يَا شَاعراً مُفلقا يطوي البلاغة تَيْ = ندِكِهْ مُبُمْ بَخَ مِي مَا لَمْ تنلْه (بَتَيْ)
عَن ذاكَ يَا خلُّ إني كنت معتجباً = والآنَ فَابشرْ بأنِّي (نَكْ دِنَالَكُ مَيْ)
وقال المُوريتاني- رضي الله عنه- :
بادِرْ إلى الوعدِ يا صَاحِي بـ(جُخْ مَكُتَيْ) = يا مُصطفى (يَوْ كِنُنْ) ما لَمْ تَنَلْهُ (بَتَيْ)
ومَا عليكَ بدينٍ، لاَ ولا عجَزٍ = لَكِنْ (بَخَكْ تُركِ دَاوْ يومْبُونَّ وَايِِ دُتَيْ)
* دَعواتٌ وابتهالاتٌ
بسم الله الرّحمن الرّحيم وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وخديمه ووسلَّم تسليما، وبعدُ:
فإنَّ من أدعية وابتهالات مأثُورة من الخليفة الأعظم الشيخ محمد المصطفى امباكِّي هذه القصيدة التي تضرّع بِها إلى الله تعالى وسط ظروف ضاقتْ فيها على النّاس الأرضُ بما رحبت وضاقت عليهم أنفسهم، فقال:
تَكدّرَت الدُّنيا وضَاقت علَى الورَى = فمَا منهُم إلا أخُو البؤسِ والضّرَّا
يَحِنُّ إلى صُغرى المئاربِ ثمّ إن = تحَوّل جَنبا قد يِئنُّ من الكُبْرى
فيَا خالقَ الدُّنيا وضَرّتها معًا = وما فيهِما بدِّل لنا العُسْر ذَا يُسرًا
وفرِّجْ همُومَ المُسلمين وغَمّهمْ = وفكّ أُسَاراهمْ وعجِّل لنا البُشرى
بجَاه عَظيم الجَاه عِندكَ ربَّنا = وجاه ذَوي القُربى وعَنّا اصرف الذّعرَا
فَما لهُمُ من مَلجإ يلتَجَى له = سِواك يُنيلَ الخَير أو يَكشف الضُّرا
عَظيمُ عَظيمٌ ما بِهم فاسْمَعنْ لنَا =
دُعَاء ضِعافٍ ما لهُم غيرُك الدَّهرا وإنّهمُ يرجُونَ مِنكَ إغاثةً = إغاثَة ملهُوف تعمُّهم طُرّا
تَراؤُوا وهَاجُوا في الدُّنا وتحقَّقوا = أنِ النَّصرُ مِن عندِ الإله يُرى نَصرَا
فيَا مَن لدَيه النَّصر والفتح كن لنا = بنَصر وَفتْحٍ خَالدَينِ إلى الأُخرى
بلاَ ضَرر يَنحُو ولا ما يسُوءنا = بأحوَالنا كُلاًّ وأَسبِل لنَا سِترَا
بجَاه رسُول اللهِ صلَّى مسَلما = عليه إلهُ العرشِ ما رَفع الذِّكرى
قصيدة مُصطفوية للاستسقاء
وتضرّع أيضا - رضي الله عنه- بهَذه القَصيدة الاستِسقائية الرّائعة لانقطاعِ نُزول الأمطار مدة من الزمن، وعمّوم الجَفاف الأرض، فقال:
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
اللَّهُمَّ يَا حَيُّ يَا قَيُّومُ يَا مَنْ إِلَيْهِ عَنَتِ الْوُجُوهُ صَلِّ وَسَلِّمْ وَبَارِكْ عَلَى سَيِّدِنَا وَمَوْلَانَا مُحَمَّدٍ وَآلِهِ وَصَحْبِهِ، وَاغْفِرْ لِلْمُؤمِنِينَ وَالْمُؤمِنَاتِ وَالْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ الْأَحْيَاءِ مِنْهُمْ وَالْأَمْوَاتِ، وَفَرِّجْ عَنْ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- بِحَقِّ قَوْلِكَ يَا كَرِيمُ : { إِنَّا صَبَبْنَا الْمَاءَ صَبًّا}[سورة عبس، الآية: 25]:
الْحَمْدُ لِلَّهِ عَـلَى وُجُودِ = رَحْمَتِهِ وَلُطْفِهِ وَالْجُـودِ
نَشْكُرُهُ مِنْ بَعْدِ مَا نَسْتَغْفِرُهْ = مِنَ الذُّنُوبِ كُلِّهَا وَنَذْكُرُهْ
نِعْمَ الْغَفُورُ وَهُوَ الشَّكُـورُ = مِنَّا لَهُ فِي أَبَدٍ شُكُـورُ
الْقَابِلُِ التَّوْبِ وَكَاشِفُِ الضَّرَرْ = الْجَالِبُِ الْخَيْرِ وَدَافِعُِ الْغَـرَرْ
صَلِّ عَـلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدِ = وَآلِهِ وَصَحْبِهِ فِي سَـْرمَدِ
بِحَقِّ وَجْهِهِ الْكَرِيمِ ثُمَّ قَادْ = لَنَا بُشَارَاتٍ وَتَمِّمِ المُرَادْ
بِجَلْبِ مَا نُحِبُّهُ إِلَيْنَا = وَدَفْعِ مَا نكْرَهُهُ لَدَيْنَا
نَطْلُبُ مِنْكَ رَبَّنَا الْغُفْرَانَا = وَلْتَكْفِنَا الْعِصْيَانَ وَالْكُفْرَانَا
أَنْزِلْ لَـنَا سَحَائِبًا مُبَارَكَهْ = تَصْحَبُهَا سَلَامَةٌ وَبَرَكَهْ
أَنْبِتْ بِهَا كُلَّ نَبَاتٍ حَسَنِ = عَنَّا اكْفُ كُلَّ مِحَنٍ وَفِتَنِ
لَكَ الْإِرَادَةُ كَذَاكَ الْقُدْرَهْ = لَيْسَتْ لِغَيْرِكَ دَوَامًا قُدْرَهْ
مَنْ ذَا الذِي يَرْجُو سِوَاكَ أَبَدَا = جَلْبًا وَدَفْعًا هَاهُنَا ثُمَّ غَدَا
الْحَوْلُ وَالْقُوَّةُ يَا رَبِّ بِكَا = لَا بِسِوَاكَ نَصْرُنَا مِنْ عِنْدِكَا
اسْقِ الْبَسَاتِينَ لَنَا جَمِيعَا = مَاءً مُرَوِّيًا يَجِي سَرِيعَا
صُبَّ بِهَا يَا رَبِّ مَاءً صَبَّا = مُبَارَكًا تُنْبِتُ فِيهَا حَبَّا
بِجَاهِ حِبِّكَ رَسُولِكَ الْأَمِينْ = وَجَاهِ صَحْبِهِ خِيَارِ الْعَالَمِينْ
بِهِمْ قِهَا الْجَرَادَ وَالْفَسَادَا = وَلْتَكْفِنَا الْأَمْرَاضَ وَالْكَسَادَا
أَجِبْ دُعَائِي ثُمَّ صَلِّ بِسَلَامْ = وَتَمِّمَنْ قَصْدِي عَلَى خَيْرِ الْأَنَامْ
كما التجأ الشيخ محمد المصطفى امباكي - رضي الله عنه- إلى الله تعالى في أمر الحَرب العالمية الأولى بهاتين الدَّعوتين المُباركتيْن الأُولى بعدَ نشُوبها واندلاعها
بسم الله الرّحمن الرحيم
صلّى الله على سيّدنا ومولانا محمّد وآله وصحبه، واغفر لي ذُنوبي كلها مغفرة عَزما، وَهب لنا السَّلامة والعَافية في الدّين والدّنيا، واسترنا بسترك الجميل، وَهب لنا البركة في خدمنا وفي أولادنا، اللهم اجعلنا غالبين غير مغلوبينَ، وأفحم كلَّ من أراد أن يتكلّم في جنابنا بما لا يسرُّنا، وهبْ لنا الحُجّةَ البالغة، واجْعل حُجّة من يُكابدنا دَاحضة. اللهم لا خير إلا خيرك ولا اعتمادَنا إلا عليكَ، { ربّنا عليكَ توكلنا، وإليك أنبنا وإليك المَصيرُ}[ سورة الممتحنة، الآية: 4].
اللهم استُرنا عند أحبابنَا وعندَ أعدَائنا سِترًا مسبُولا جَميلا دائمًا.
اللهم هَبْ للمُسلمينَ في هَذه الحربِ الجَارية خَيرا وسَلامة من كلِّ ضَير في الدّين والدّنيا، آمين يا ربّ العالمينَ. اه
كما دَعا بالثانية قبل نُشوبهَا
بسم الله الرّحمن الرّحيم
أعوذ بكلمات الله التّامات من شرّ ما خلق "ثلاثا" بسم الله الّذي لا يضرّ مع اسمه شيء في الأرض ولا في السّماء وهو السّميع العليم "ثلاثا". الّلهم صلّ وسلّم وبارك على سيّدنا ومولانا محمّد وآله وصَحبه، وهَب لنا بجاهِه مغفرة عَزما وارحمنا وانصُرنا واسترنا بسترك الجميل يا وليّ يا وكيل، وعافنا في ديننا ودنيانا واعصمنا من جَميع المكاره في الدّنيا والآخرة، واحم جنَابنا عن جميع الفتن والمحَن، وأصلح منّا ما ظهر وما بَطن كي نُسبّحك كثيرًا ونذكرك كثيرا إنّك كنت بنا بَصيرا، يا ذا المُلك والمَلكوتِ يا ذا العزّةِ والجبروت يا من هُو عَلى كلّ شيء قَدير. آمين يا ربّ العالمين. سُبحان ربّك ربِّ العزّة عمّا يصفون، وسلام على المرسلين، والحمد لله ربّ العالمين.
تمَّت
ثم إنَّ هذه الدَّعوةَ الثانية قد سلّمها الشيخ لأهل المُصحف وأمرهم بأن يقرؤوها مع كلّ خَتمة.
أعوذ بالله من الشّيطان الرّجيم
بسم الله الرّحمن الرّحيم الّلهم صلّ وسلّم وبارك على سيّدنا ومولانا محمّد النّبيّ الأميّ، وعلى آله وصحبه صلاة وسلاما وبركة تصلح بها أحوالِي كلّها ظاهرة وباطنة إصلاحا لا فساد بعده أبدا، واغفر لي ذُنوبي كلّها ما تقدّم منها وما تأخّر مَغفرة عَزما، وهبْ لنا العافية والسَّلامة ولجميع الورى، وارحم أمّة محمّد - صلّى الله عليه وسلّم- واعصمهُم من جميع الفتن والمحن، وفَضّلهم على جميع الأنام، وهَبْ لهم من الخُصوصيّة في جميع الخَيرات ما يَغبطهم فيها غيرهم من جميع الورى، وهب لي في سَفري هَذا الّذي أريده كلّما أريده من خيور الدّنيا والآخرة، وهب لي فيه السَّلامة من كلِّ ما أكره ذَهابا وإيابًا،
يَا من له الذّهاب والإياب والغَنيمة والغِبطة، واكتب لي فيه سَعادة لا شقاوة بعدها، واجمع لي شَمل المُريدين فيما أحبُّ كما أحبّ، وهب لنا في بلادنا خِصبا و رغَدا ونموّا في الأموال والأنعام، والحرث وربحا بلا كساد، وانصُرنا واستُرنا واهدِنا إلى صراط المستقيم، صراط الّذين أنعمت عليهم غَير المغضوب عليهم ولا الضّالين، ونجّني يَا ربّ من شَماتة الأعداء، وعُضال الدّاء، وخيبة الرّجاء، وزوال النّعمة، وفجأة النّقمة، آمين.
يَا ربّ العالمين.
ويقول الشيخ محمد المصطفى مُبتهلا إلى الله تعالى في "طائف" مَسكنه المشرّف بهذه الدَّعوة القيمة، فقال:
بسم الله الرحمان الرحيم صلى الله على سيدنا ومولانا محمد وآله وصحبه وسلم تسليما، ربِّ اغفر لي وارحمني واستُرني بسترك الجميل، واهدني إلى صراطكَ المُستقيم، صراط الذين أنعمتَ عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين آمين.
يَا ربِّ حَقّق مَا رجوتُ مِنكَا = ولتكفنِي العِدى مَعا والضَّنكَا
ولتُرني دَأبا جَميع ما يَسُرْ = ولتكف كلّ من يَسوء أو يضُر
وَحسِّنَ التأويلَ فِي رُؤيايَ = واجعله حقًّا طيبًا مَحيايَ
وثبتنِي عَلى الإيمانِ = ثم على الإسلامِ والإحْسانِ
وقوِّني ربِّ على الطاعاتِ = عمّر لي الأوقاتَ والساعاتِ
ولي كُن في حَركاتي سَرمدَا = وسَكناتي بحَال حُمدَا
وباركَن في مَسكنِي وخِدمتِي = وَمائه وزرعِه وتُربتِي
ونجِنّي ربِّ من الفسَادِ = في أيِّ وجه ومن الكسَادِ
وزحزِح العدَى وَهبْ لِي الغلَبه = منهُم وبشِّربي القُرى والطَّلبَه
اللهم يَا ربَّ يا ذا الجلال والإكرام صل وسلم وبارك على سيدنا ومولانا محمد، وآله وصحبه وسلم، وهب لي بجاهه - صلى الله تعالى عليه وسلم- خروج الماء من بِيري هذه التي تحفر هنا، واجعله ماء مباركا عذبا كثيرا طيبا يُبرئ الأسقام ويزيد في الصحة، وأخرجه عَاجلا بحقّ أسمائك وصفاتك العظيمة بلا شيء يسوءني أو يضرني أبدا. يا ربِّ عجل خروج الماء يا ربِّ عجّل خروج الماء، يا ربِّ عجّل خروج الماء. اللهم صلِّ على سيدنا مُحمد وسلّم. [ نقلا عن كتاب" المجمُوعة المباركة التي تشتَمل عَلى وصايا نافعَة وأدعية مأثورة لصِنو والدهِ وخليفته الشيخ محمد المصطفى البكيّ - نفعنا الله تعالى ببَركاته-"، ص: (44) وما بعدها، التي جُمعت بإذن من ابنه البرِّ وخليفته المشهُور بـ "سرين امباكي مَدينة" وكتبه أحمد بَشير صلّه بن سرين صلَّه طوبى دار القُدوس، راجعه وصحّحه الشيخ حبيب البكيُّ، والكتاب المرجع/ الشيخ محمد المصطفى، النموذج الأمثل، إعداد: أكاديمية الشيخ محمد المصطفى امباكي لدراسة التراث المريدي، مطبعة دار المعارف الجديدة، الرباط، سنة الطبع 1435ه 2014م، ص: 77- 78]
بسم الله الرّحمن الرّحيم
وصلّى الله على سيّدنا محمّد وآله وصحبه وسلّم تسليما. لا حول ولا قوّة إلا بالله العليّ العظيم. الّلهمّ صَلّ وسلّم وبارك على سيّدنا ومولانا مُحمّد وآله وصحبه وسلاما وبَركة لا تنقطع عنّي أبدا، واغفر لي ذنوبي كلّها ما تقدّم منها وما تأخّر، واعصمني من جميع ما أخاف واحذر عِصمة تحميني عن كلّ ما أكره من قول أو فعلة ورؤية، وبارك لي في سَفري الّذي أريده في كلّ محلّ كنت فيه أو مررت به، وسَخر لي كلّ من لاقيتُ من المسلمين والنَّصارى من جميع الرّؤساء، وارفعنِي فيه وانفعني واجلب إليَّ أبواب الخيور كلّها والأرزاق الطّيّبة، وهبْ لي فيه السّلامة والعافية ذهابا وإيابا، ووصُولا إلى دَاري بلا شيء يسُوءني أو يضرّني في شيء ما أبدا آمين يَا ربَّ العالمين. الّلهم صَلّ وسلّم وبارك على سَيّدنا ومولانا مُحمّد وآله وصَحبه واغفر لي بجاهه مغفرة عزما، واشهد لي بأنّي حامد وشاكر لك غاية الحَمد والشّكر على جميع ما أوليتني به من النّعم الجليّ والخفيّ، وهب لي عِصمة من الذّنُوب والمعاصي كلّها برحمتك يا أرحم الرّاحمين، وزِدني غبطة ونعمة وعافية في الدّين والدّنيا والآخرة، فإنّي لم أر مثلكَ في الكرم والفضل يالله يا مالك، واشهد لي بأنّي رضيت بك ربّا وبالإسلام دينا وبسيّدنا محمّد - صلّى الله تعالى عليه وسلّم - نبيّا ورسولا، وبوَالدي أحمدَ خَديم عبدِك ورسولٌك وليّا ووسِيلة، وزدني سترا وغلبة على الأعداء، وانصرني عليهم نصرا عَزيزا وأيّدني على طاعتك ليلا ونَهارا، واهدني إلى صِراطك المستقيم، صراط الّذين أنعمت عليهم غير المغضُوب عليهم ولا الضّالين، آمين.
يَا ربّ إنّك سَترتَ عَيبي = ولتعفُ عنّي وملأتَ جَيبي
بِلا عداوة ولا مُنازعهْ = ولا شَقاوة ولا مدافعهْ
إنّكَ ربّنا ونِعمَ الرّبُّ = أنتَ حَبيبُنا ونِعم الحِبُّ
ولا إلهَ غيرُه ولا سِواهْ = يُرجى هُنا وفِي غَدٍ شَدّت قُواهْ
ولم يَكلنا لسِواهُ من أحدْ = لظُلمنا وقُبحِنَا نِعمَ الأحدْ
ياللهُ يا لطيفُ يَا كريمُ = يا مَن له الكمالُ والتّكريمُ
صَلّ صلَاةً بسَلام سَرمدَا = على النّبيّ والرّسُول أحمَدَا
بآله وصَحبِه وزدنِي = هَديًا وتَوفيقا عُلى واعْصمنِي
فقدْ رأَى عَبدُكَ ذا الضّعيفُ = فضْلا عَظِيما منكَ يا لطيفُ
ولا تزلْ تُريه كُلَّ ما تُحبُّ = ودَافعا عنه الّذي ليسَ يُحبُّ
فِي نفسِه وأهلِه فِي ظاهِرِ = وباطن يا عَالمَ الضَّمائرِ
واصرفْ إلى سِواه كُلَّ ذِي شَقا = وكلّ مُثقِل وزِدهُ الارتِقا
واغفِر لهُ جَميع ما عصَاهُ = واعصمْه منه بعدُ يا مَولاهُ
وصلّ سَرمدًا علَى النّبيّ = فِي آلهِ وصَحبه السَّريّ
خَيرَ صلَاة تقبّل الكلَاما = هَذا بهَا وقُد لِيَ المرَاما
وقال الشَّيخ مُحمّد المصطفى الكريم خليفة الشّيخ أحمد الخديم - عليهما أكبر رضوان الله الباقي القديم - أوَّابا مُّنيبا إليه تبارك وتعالى في مَسكنه "حُسن المئاب" التي أسَّسها في سنة 1914م :
أؤُوب إلَى ربِّ البريَّةِ مُذ غَدا = يُحسِّن لِي حُسنَ المئَآبِ مَئابِي
وأرجُو مِن المَولى غَدا أنْ أكُونَ مِن = أناس لهُم طوبَى وحُسن مئَآبُ
الّلهم صلِّ على سيِّدنا محمّد وآله وصَحبه وسَلّم، سُبحان ربّك ربِّ العزّة عمّا يصفون، وسَلام على المرسلين والحمد لله ربِّ العالمين. [ يُراجع: أدعية مُباركة مأثُورة من مُناجاتِ شيخنا الخليفة الأعظم الشّيخ محمّد المصطفى الكريم ابن الشّيخ أحمد الخديم- عليهم أكبر رضوان الله الباقي القديم، ص:( 38- 29) كتبها الأستاذ مام شيخ بن سرين انجاي عَالم، وراجعها وصحَّحها الإمامان سَرين مُصطفى امبَي لُنكور وسَرين بشير صلّه ضَحوة الخميس 16 جمادى الأولى عام دكتش هجرية طوبى دار القدُّوس، وقام بالطّبع والنّثر المُريد الحبيب المشهور بسرين امبَي لنكُور صَاحب" مَكتبة النُّور" بإذن من الشّيخ أحمد المُختار خليفته الحالي].
[ للاستزادة مِن خُطبه وَوصاياه ونَصائحه وأشعاره التي ذكرناها في هذا البَحثِ فليراجع: " المَجمُوعة المباركة التي تشتَمل عَلى وصايا نافعة وأدعية مأثورة لصِنو والدهِ وخليفته الشيخ محمد المُصطفى البكيّ- نفعنا الله تعالى ببركاته-"، التي جمعت بإذن من ابنه البر وخليفته المشهور بـ "سرين امباكي مَدينة" وكتبه أحمد بَشير صلّه بن سرين صلَّه طوبى دار القُدوس، راجعه وصحّحه الشيخ حبيب البكيُّ، والكتاب المرجع/ الشيخ محمد المصطفى، النموذج الأمثل، إعداد: أكاديمية الشيخ محمد المصطفى امباكي لدراسة التراث المريدي، مطبعة دار المعارف الجديدة، الرباط، سنة الطبع 1435ه 2014م، وأيضا: أدعية مُباركة مأثُورة من مُناجاتِ شيخنا الخليفة الأعظم الشّيخ محمّد المصطفى الكريم ابن الشّيخ أحمد الخديم- عليهم أكبر رضوان الله الباقي القديم، كتبها الأستاذ مام شيخ بن سرين انجاي عَالم، وراجعها وصحَّحها الإمامان سَرين مُصطفى امبَي لُنكور وسَرين بشير صلّه ضَحوة الخميس 16 جمادى الأولى عام دكتش هجرية طوبى دار القدُّوس، وقام بالطّبع والنّثر المُريد الحبيب المشهور بسرين امبَي لنكُور صَاحب" مَكتبة النُّور" بإذن من الشّيخ أحمد المُختار خليفته الحالي]
بقلمِ الأخ سَرين امباكي جوب خضر الطوباوي خريج معهد الدروس الإسلامية مدرس اللغة العربية والشريعة في معهد الدروس الإسلامية.
0 التعليقات:
إرسال تعليق