متى يرجع الفيسبوك إلى طبيعته الأولى ؟!
كان الفيسبوك ملتقى للبحث عن الأصدقاء واقتباس الدروس العلمية، وتسلية للأوقات في بعض الأحيان ولكنه في هذا الزمان عمت به البلوى في صفحاتها ومجموعاتها بسبب نشوب الملاحاة والمخاصمات والشحناء والتشاجرات التي شوهت جماله، وكدرت صفوه فراح الشبان يعمقون ويلجون في بحر الردى والهلاك ويتناطحون برمي الأحجار والتهمات على مخالفيهم منحى أو عقيدة أو طريقة أو مذهبا أو سلوكا. الكل يعمل على شاكلته ويحتكر البراءة والصلاح والنجاة من النيران إلى حزبه أو طائفته أو حركته تعصبا واتباعا للهوى، ومحاولة الفتن بين الطوائف والحركات المنتمية إلى الدين الإسلامي السمح الذي يدعو إلى الوئام، والعفو والوفاق, والتآلف، بدلا من تلك التصرفات اللاخلاقية التي تبقى وصمة عار علينا نحن المسلمين. وهي من القضايا الجاثمة بركبتها أمام الشباب - رجاء الوطن المستقبل ونهضة البلد المكلل-.
أيها المتفسبك اعلم علم اليقين أن الشيطان يريد أن يوقع البغضاء والعداوة بين المسلمين مصداقا لقول الله -تعالى- في محكم تنزيله: (( إنما يريد الشيطان أن يوقع بينكم العدواة والبغضاء)) سورة المائدة(91) . والله يدعو إلى دار السلام والهدى حذار حذار أن تقع في فخ الشيطان فتصبح على ما سطرت من الشتائم نادما بعد فوات الأوان، واجتنب أن تنشر منشورا تجرح شخصية غيرك أن تفضي إلى الشغب والضوضاء والبلابل في الفيسبوك.
إن لكل إنسان حرية التعبير في عقيدته، إلا أنه إن تلاعب بها الناس تصبح أشر من القنبلة التي تدك المنازل دكا دكا، وتتلف المدائن إتلافا إتلافا، دافع عن عقيدتك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن، ولا تنطع أو تفسق أو تكفر أو تخرج أحدا من الملة، ولين أقوالك لأخواتك وإخوانك المسلمين كما قال الشيخ الخديم- رضي الله عنه- في (نهج قضاء الحاج):
ولين القول لكل الناس % فإنه من شيم الأكياس
أيها المتفسبك، اغلظ على الكفار والمشركين ذوي الطخاء المارقين المستبدين الغلاة منذ بدء الخليقة إلى يومنا. واقتد بالسلف الصالح الذين كانوا يظهرون الحق بلا لومة لائم ويرحمون الخلق دائما، و ناصح أخاك إذا أخطأ أو جفا عالما من العلماء الأجلاء المشهودين لهم بالفضل والورع أوصالحا أو وليا من أولياء الله الصالحين...ولا تفضح أحدا أوتذكر عيوبه أمام الجميع يا أخي المتفسبك.
أيها المتفسبك الغارق في ظلام السب وغياهب الشتم للآخرين ألم تعلم بأن الله وكل إليك ملكين يكتبان حسناتك وسئياتك ولا يعزب عنهما شيء من أعمالك وأقوالك و منشوراتك ما يلفظ من قول إلالديه رقيب عتيد وهذا ما جاد الشاعر إلى أن قال:
وما من كاتب إلا سيفنى % ويبقى الدهر ما كتبت يداه
فلا تكتب بكفك غير شيء % يسرك في القيامة أن تراه
وقال شاعر آخر:
الخط يبقى زمانا بعد صاحبه% وكاتب الخط تحت الأرض مدفون
كل هذه الأبيات تؤكد خطورة الكتابة إن كانت تصب في قالوب السب والشتم والمعاير. أين نحن من أخلاق الإسلام الحميدة وتعاليمه السمحة أين التحابب والتماسك ؟ أين الانفتاح والعدل والإنصاف? وأين أداب الحوار والنقاش ؟ متى يرجع الفيسبوك إلى طبيعته الأولى ؟! أم يظل على هذا الحال الذي يبكي العين ويضني القلب ويقطع الجبين؛ إذا لم تعالج هذه المشكلة الراهنة. والله إن لم نراجع أنفسنا وعضنا بنواجذنا على آداب الإسلام في هذه مرتع الشيب والشبيبة والشبان والعلماء الناصحين والجهلاء والروبيضين والأفاكين الأثامين الذين أخذوا حيزا واسعا ومجالا كبيرا من الفيسبوك بلا شك و لا ريب. فثمة كتلة من الشباب المبتدئين الذين لم يميزوا نقيرا ولا قطميرا، ولا فاعلا ولا مفعولا يثيرون الضجة والبلابل في شبابيك الفيسبوك وحجراته بين ضحاه وعشية لحب الظهور والشهرة- أعاذنا الله منهما-كما انتشر ذلك انتشارا مدهشا حاليا.
فالإسلام ديننا الحنيف كله نصيحة وإرشاد لا غير، كما قال البشير النذير- صلوات الله عليه وسلامه- وقال الشيخ أحمد بامبا امبكي الولي البولي- رضي الله عنه- على هذا المنوال:
دعتني إلى الخط النصيحة للورى% لوجه الذي قاد لي أجرا وأسعفا
أخي الكريم إن كنت واعيا جيدا لعلم المعاني أيها المتفسبك، تدرك بجلاء وتفهم بكل دقة ما يحمل هذا القول من معان جليلة سامية. وقال الإمام الشافعي- رحمه الله-: (( من وعظ أخاه سرا فقد نصحه، ومن وعظه علانية فقد فضحه)). فعلى المصلحين الحكماء الأكياس من رجال الفيسبوك أن يشمعلوا ويتبادروا إلى الصلح إذا لاحت في صفحة أو مجموعة مشادات كلامية أو مطاحنات فردية أم جماعية عملا بوصية الله- تعالى- : (( فاتقوا الله وأصلحوا ذات بينكم)) الأنفال(1) وقال أيضا في سورة الحجرات: (( إنما المؤمنون إخوة فأصلحوا بين أخويكم)) الآية(10)
لقد بدأت أشعة الإفك تشيع وترسل أنوارها في بعض المنشورات التي لا تغني ولا تسمن من جوع، بل ضيرها أكثر من خيرها وإخفاؤها خير من إبدائها لما تثمر من نتائج سلبية هذه واضحة كوضوح القمر وليس يصح في الأذهان شيء إذا احتاج الشمس إلى دليل(1). والمعنى أن البديهيات لا تحتاج إلى دليل كطلوع الشمس وسواد الليل وسعة البحار، أو الحقد والتعصب والحسد لا تريد أن ترى النهار، ولا يمكن رؤيته. هؤلاء أحابيش عديدة ذووا الأقلام الناشئة المجهولة المغمورة في التكفير والتبديع أو التفسيق وآخرون مولعون بالشتم والبذاءة والفظاظة في الغاية القصوى,والشطحية الهامشية والألفاظ الساقطة والمغالطات والأساليب الملتوية لتزييف الحقائق ويتفننون في أساليبها كما يتوغلون في المنشورات التي لا ناقة لهم ولا جمل فيها فظلموا أنفسهم وهم لا يشعرون، وأضرموا نار الفتنة والغضب في تعليقاتهم الشاذجة لخروجهم عن دائرة الموضوع ودخولهم في أحوال شخصية الناشر.
لقد أصبح هذا الأمر واقعا ملموسا يمرق الفيس بوك مروق السهم من الرمية في واحات صفحاته وقلة قليلة من الشبان من لا ينهمكون في سبات عميق؛ من ويلات الفيسبوك ونكباته التي قذفت شرورها في أبوابه وحجراته الكثيرة التي تملأ بملايين من البشر الذين لا يعلم عددهم إلا الله.بعضهم ينتشرون في مناكبه و يلتمسون التواصل مع خليل صدوق بالمراسلات المفيدة، أو يكتبون منشورا أو يعلقون على منشور قيم,وهناك ثلاث اثنين لا يهمه إلا الجدال والمراء والافتراء على الأبرياء، وكتابة الأراجيف والخزعبلات التي لا أصل لها سند صحيح أو دليل نجيح.
إذا نظرت نظرة فاحصة ترى أكثرهم شبانا-رجاء الوطن في المستقبل -والمفترض عليهم أن يغيروا واقع الفيس بوك، ويبدلوا حاله بأحسن الأحوال ، لكنهم جعلوا في آذانهم وقرا إلا من رحم ربي من الأجاويد. والله لن تحل هذه المشكلة الراهنة، ولن تنكشف الهموم التي تحوم بنا في كل النواحي ولن تتبدل أحوالنا إلا إذا قذفنا التشاجر والخصم وراء الحائط، تناسوا أن لم الشتات أفضل من تبديد الشمل شيعا وفرقا تحسبهم جمعاء وقلوبهم شتى.
فعلينا بالرجوع إلى ظل القرآن الكريم الذي وصفه الوليد بن المغيرت بمقولته الشهيرة الخالدة: (( إن له لحلاوة، وإن عليه لطلاوة، وإن أسفله لمغدق، وإن أعلاه لمثمر)). وكذلك السنة المطهرة المصدر التشريعي الثاني واجماع الأمة وما كان عليه السلف الصالح- رحمة الله عليهم- الذين كانوا يراعون آداب الحوار والنقاش في مصنفاتهم ومناقشاتهم ولا يصلح آخرهذه الأمة إلا بما صلح به أولها. إذا لم نسلك هذا المسلك المستقيم والنهج القويم فإغلاقنا حسابات الفيس بوك خير من فتحها قبل أن نحمل حملا ثقيلا من الأوزار والآثام، وارتكاب الظلم في حق غيرنا، وتوتر العلاقات وأواصر المحبة بين المتفسبكين وليس من المعقول أن نسيء الظن بالآخرين ؛ لأن ذلك هو أكذب الحديث كما صرح به صاحب المعجزات الباهرة والحجة الساطعة طبيب أهل السقم وسيد الأعراب والعجم.
ما أحوجنا- نحن المتفسبكين- إلى دراسة كتاب (النهج) الذي صنفه الشيخ الخديم -رضي الله عنه- في الآداب! يقول أبو الوفاء والعدل موضحا آداب الحوار بأسلوب فصيح جزيل:
ولا تقل لأحد كذبتا % أو قلت غير الحق أو أخطأتا
أو غيرها من كل شيء يسخط % ولو صبيا كان فهو غلط
وإن تكلم بما لم تعلم % ففيه صدقه تكن ذا كرم
فقل له لست كذا أو كنت % معتقدا أو إنني جهلت
ونحو هذا من عبارات تسر % مستحسنات لا تسيء ولا تضر
وعود اللسان قول الخير % تفز به تكف كل ضير
على كل حال؛ إن الفيس بوك من النعم التي أنعم الله الكريم الجليل بها على الناس كافة- والنعمة إن شكرت قرت وإن كفرت فرت- دون التصرف فيها بتصرفات طائشة شنيعة . ومع ذلك كله فإن طائفة من الشبان ألهمهم الله الرشد أولي الحجا والحجر يشتغلون دائما فيما يجدي وينفع الناس غيرة على التراث الإسلامي الضخم ، ونشرا للعلم، وإثراء لجو الفيس بوك لا يبدعون ولا يكفرون ولا يفسقون ولا يشتمون أحدا ولا يروجون ليادا من الأكاذيب المرتزقة ويبتعدون عن الهرج والمرج- فجزاهم الله خير الجزاء- لذلك يستفيد من منشوراتهم زوار صفحاتهم عشية وضحاه .
معاشر الأحبة ! نقول في خلاصة القول إن الفيس بوك وسيلة ونعمة في طي النقمة ، وسلاح ذو خدين يمكن الإستفادة منه أي الفيس والعكس الصحيح ، من أمم الخير فيه حصله ولا يبوء بالفشل والاخفاق ، ومن تعاطى الشر فيه هوى في حفرة التوى والتعاسة. والله أسأل أن يصفي قلوبنا من الغل والحقد والشحناء والحسد، وأن يجعلنا إخوانا مؤتلفين ومتحابين متماسكين وفي الآخرة على سرر متقابلين.
(1) وهناك بيت ينسب إلى أبي الطيب المتنبي :
وليس يصح في الأذهان شيء % إذا افتقر النهار إلى دليل
سرين امباكي جوب خضر الطوباوي مدرس اللغة العربية والشريعة
يوم الخميس-22 يوليوا 2015م/ المصادف 06- شوال-1436هجرية

0 التعليقات:
إرسال تعليق