تقريظ ديوان المشعري

تَقريظٌ:

      لقَد طالعتُ وتصفحتُ دِيوان المَشعري [1] عِدَّة مرّاتٍ الذي نَسجه الشَّاعرُ الغَطمطمُ الشيخ إبراهيم جُوب المشعريّ أَمير شُعراء عَصره من منوالِهِ في الثَّناء والمَدح على شَيخه أبي المَحامد الفاضل والمُربّي الكامل قُدوتنا  الشيخ أحمد بامبا امباكي - رضي الله عنهما-، فَوجدتُه حافلاً بأسلُوب رَشيق عَذب، يُمكن أنْ ينتقِيَ منهُ سائر طلبة العلم كلماتٍ لُغوية وعِبارات رائعَة التي قَد راقنِي حُسن نَسجه لهذه الخَرائِد والفَرائِد التي جَدير بنَا أن نقتَطف منها قُطوفَ البَدائع التي ذلِّلت تَذليلاً، ولله درّه حين يقُول قصيدة أحسن فيها فِي مَدحِ وسيلته وشَيخه أبي الكرامِ وَالبَدريْن الفاضِلِ والمُصطفى فَخارَيْ كُلّ مُجتهِدِ: [من البسيط]
مِدادُ فَضلكَ عنّي غيرُ منصرمِ = وحَبلُ وُدّكَ عِندي غيرُ منفصِم
وفِي وِدادكَ قد لاقيتُ مَلحمةً = كلٌّ يرانِيَ فيها ثابتَ القَدمِ
وعَن لواعجِ أشواقٍ بُليتُ بها = نامَ الخليُّ فلم أَرقُدْ ولم أنَمِ
قَد طالمَا رُمتُ كتمَ الحُبِّ في خلدِي = فَنمَّ دمعِي بمُنهلٍّ ومُنسَجِمِ
أهلاً بطيفٍ سَرى من نَحوكُم سَحرًا = فلو أطالَ لأَحيَا باليَ الرِّمَمِ [2]

وفيه يقول أيضا: [من الطويل]
أتَتهُ جَميعُ النَّاسِ مِن أرضِ مَكَّةٍ = ومِن طيبَةٍ حتَّى أتَته الخَواتِمُ فطُوبَى لعبدٍ يَعبُدُ اللهَ ربَّه = بخِدمتِه إذ منهُ تأتِي المغَانِمُ[3]

   وفيه يقول الشاعر الخنذيذ وهو يمدح الرَّعيل الأول الذين بايَعوا الشَّيخ الخديم الشَّريف النَّبيل في أول وَهلة لما أعلنَ دعوته التَّجديدية الاصلَاحية بلا تعلثم - رضي الله عنه-:[من البسيط]
رُهبانُ ليلٍ مَصابيحُ الظلام، لهُم = في الصُّبح والمُسي أذكَار وأورادُ
يتلُون دَأبا كتابَ الله، ثُم لهُم = إلى المَساجد تَردادٌ فتَردادُ [4]

وفيه يقول أيضا في مَدح الشَّيخ الخديم -رضي الله عنهما-:[من الطويل]
حَديثُك لِي كأسٌ من الخَمر مُطربُ = وذِكرُك شَُهد فِي لسانِي مطيَّبُ
وَوجهكَ لِي بدرٌ إذَا ما اجْتَليتُه = تبرّدَ أكبَادِي التي تتلهَّبُ [5]

    وبتمعن التأمل والنّظرِ لهذا الدِّيوان الذي أفحم أربابَ البلاغة والفَصاحة بغَرائبِه وطَرائفهِ نُلاحظ أنَّ صَاحبه يُصرّح فيه كرَّات بعد كرّة بعَدم وجُود نظير لممدُوحهِ الحَيدر الحَامي حِمى الدِّين بعد سيّدنا مُحمد النّبيّ الكريم - عليه الصلاة والسَّلام- الذي لا يُجاريه ذُو عُلى ولا يُباريه ذو علم، فجزاه الله خَير جَزائهِ، وأعلاهُ فِي الدَّارين بفضلهِ، ومنه قولهُ: [من الطويل]
فتًى لمْ يَكُن بعدَ النَّبيِّ نظيرُه = وفَوقَ الكِرام الغُرِّ يعلُو لهُ القَدْرُ [6]
وقال أيضا: [من الطويل]
كَراماتُه فاقَتْ كراماتِ مَن مضَوا = ومَن حَانَ فهوَ الفردُ شَرواهُ لا يُدرى [7]

      ولا يسعنا إلا أنْ نُخصّص جَزيلَ الشُّكر وخَالص التَّقدير من صَميم قلُوبنا للباحِثَيْن الجَليلينِ العِملاقَيْن الشيخ عَبد القادر بن سرينه شِيخ ميمُونة الكبرى امباكّي خادم التراثِ المُريدي، والباحث الأديب الكاتب الأريب أبي مَدين شعيب تياو وهُما اللذانِ تمَّ بفضلِ جُهُوداتِهما الجَبَّارة تَحقيق الدِّيوان تَحقيقا مُحكّما، وترتيبُه ترتيبا مُنسقا والتعليق عَليه تعليقا مفيدًا حتى يَستطيع أن يَستفيدَ منهُ المُبتدئ والمُنتهي
- فاللهَ تعالى نَدعُو أن يُعَمِّرَهُما فينا بالرِّضى حقبًا، وأن يُكلّل هَذا العمل بالتوفيقِ والنَّجاحِ، وجَعلهما مَنارا للعلمِ.

    وعَلى هذا، فَإنَّ هذا الدِّيوان يجدرُ إدراجه ضِمن مقرر النُّصوص الأدبية للمدارسِ الطوبوية و المَجالس العِلمية التقليدية لتَكوينِ الطلاّب في إنشَادِ الشِّعر وليُقلّدوا أُسلوبه؛ لأَّنه يحتَوي عَلى طياته شتات العلُوم والمَعارف وحُفنة من المُفرداتِ، ولا غَرو مِن ذلكَ لكونه من فطاحل الشُّعراء وكَوادرهم ، كما نأملُ ونَرجُو من الخِلافة العامة للطريقةِ المُريدية و الأغنياء أن يتبادَروا بمُساندةِ المُحقّقين والدَّارسين الذين يُكرسون ويصرفون جُلّ أوقاتهم فِي خِدمة تُراث أبي المحامدِ - رضي الله عنه- ونَشرِه مَاديًّا ومَعنويًّا لأنَّه خَيرٌ وَأبقَى بَدلاً من إسراف الأموال الطائلة في المَهرجاناتِ والحَفلات المُتكرّرة .

الهوامش:

1- يعني ديوان الشيخ إبراهيم جوب المَشعري - رضي الله عنه-، حققه ورتبه وعلّق عليه : الشيخ عبد القادر بن شيخ ميمونة الكبرى امباكي وأبو مدين شعيب تياو، طوبى السنغال 1438ه‍ 2017م، مطبعة دار المعارف.
2- المصدر نفسه، ص: 319
3- المصدر نفسه، ص: 306 .
4- المصدر السَّابق، ص: 13، و 112.
5- المصدر السَّابق، ص: 59
الشّهد: العسلُ. اجتليته: أي نظرت إليه..
6- المصدر نفسه، ص:161
7- المصدر نفسه، ص: 272

بقلم الأخ سرين امباكي جوب خضر الطوباوي خريج معهد الدروس الإسلامية ومدرس اللعة العربية والعلوم الإسلامية في معهد الخليل الإسلامي
يوم الأحدِ 06 مايُوا 2017م/ 09 شعبان 1438ه‍ .



المشاركة في جوجل+
    Blogger Comment
    Facebook Comment

0 التعليقات:

إرسال تعليق

يتم التشغيل بواسطة Blogger.