أحكامُ زكاة الفِطر فِي المَذهب المَالكيّ
جمع وترتيب الأخ سرين امباكي جوب خضر الطوباوي خريج معهد الدروس الإسلامية ومدرس اللغة العربية والعلوم الشرعية في معهد الخليل الإسلامي
مساء الأحد خاتم شهر رمضان 1438ه / 25 يونيو 2017م .
1- مفهُوم زكاة الفِطر لغة واصطلاحًا :
الزكاة لغة: مأخوذة من الزكاء وهو النَّماء، ومن ذلكَ قولهم: "زكا الزرع" إذا نما وطاب وحَسن، وزكت النَّفقة إذا نمت وبُورك فيها. و"زكّى الشَّيء يزكّيه" أي: نمّاه وطهره. [1]
وسُميت الصَّدقة الواجب أخذها من المال زكاة، لأن المال إذا زكي نَما وبُورك فيه، وقيل: إنما سميت بذلك لأنها تزكو عند الله أي تنمو لصاحبها عنده سبحانه وتعالى، وقيل: إنما سميت بذلك لأنها لا تؤخذ إلا من الأموال التي يبتغى فيها النماء لا من العروض المقتناة.
ويذهب الإمام ابن رشد الجد إلى أنه « سُميت بذلك لأن فاعلها يَزكو بفعلها عند الله تعالى، أي يرتفع حاله بذلك عنده، يشهد لهذا قول الله تعالى: { خُذْ من اموالهم صَدقة تطهرهم وتُزكيهم بها}».[2] [التوبة: 103]
وقيل: سُميت زكاة فطر نسبة إلى الفِطرة، وهي الخلقة، لأنها متعلقة بالأبدان، وقيل لوجوبها بالفطر من الصوم، كما قَالَ الحَافِظُ ابنُ حَجَر - رحمه الله تعالى-: (3/367): « أُضِيفَت الصَّدَقَةُ للفِطْرِ؛ لِكَونِهَا تَجِبُ بِالفِطْرِ مِن رَمَضَانَ ».
تَعريفُ زكاة الفطر في الاصطلاح، باعتبار التركيب: من قبيل إضافة الشيء إلى الشرط، قال شمس الدين أبو عبد الله محمد بن محمد بن عبد الرحمن الطرابلسي المغربي، المعروف بالحطاب الرُّعيني (المتوفى: 954 هـ) مواهب الجليل لشرح مختصر الخليل (3/257): وقال ابن عرفة: زكاة الفطر مصدر إعطاء مسلم فقير لقوت يوم الفطر صاعا من غالب القوت أو جزئه المسمى للجزء والمقصور وجوبه عليه، ولا ينقص بإعطاء صاع ثان لأنه زكاة كالأضحية ثانية وإلا زيد مرة واحدة واسما صاع من الغالب القوت أو جزئه يعطي مسلما فقير القُوت يوم الفطر. [ ينظر: شرح حدود ابن عرفة].
ومن نافلة القول: إنَّ غاية الزكاة تنمية مال الإنسان وتطهير نفسه، لأن الذي يؤدي حق الله في ماله ينمي له الله ماله، ويطهره من الحَرام ويحفظه من الضّياع
2- حِكمة مشروعية زكاة الفطر
شرعت هذه الزكاة تطهيرا للصائم من الخلل في صومه، لحديث ابن عباس رضي اللَّه عنهما قال: قال رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم- : « فَرَضَ رَسُولُ اللهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- زَكَاةَ الْفِطْرِ، طُهْرَةً لِلصَّائِمِ مِنَ اللَّغْوِ وَالرَّفَثِ، وَطُعْمَةً لِلْمَسَاكِينِ؛ فَمَنْ أَدَّاهَا قَبْلَ الصَّلَاةِ فَهِيَ زَكَاةٌ مَقْبُولَةٌ، وَمَنْ أَدَّاهَا بَعْدَ الصَّلَاةِ فَهِيَ صَدَقَةٌ مِنَ الصَّدَقَاتِ» أخرجه أبو داود في «الزكاة» بابُ زكاةِ الفطر (1609)، وابنُ ماجه في «الزكاة» بابُ صدقةِ الفطر (1527)، مِنْ حديثِ ابنِ عبَّاسٍ رضي الله عنهما. وصحَّحه الألبانيُّ في «صحيح الجامع» (3570).
قَولُهُ: «طُهرَةً»: أي: تَطهِيرًا لِلنَّفسِ مِنَ الآثَامِ.
وَقَولُهُ: «اللَّغو»: مَا لَا يَنعَقِدُ عَلَيهِ القَلْبُ مِنَ القَوْلِ وَهُو مَا لَا خَيرَ فِيهِ مِنَ الكَلَامِ.
وَقَولُهُ: «وَالرَّفَثُ»: هُوَ كُلُّ مَا يُستَحَى مِن ذِكرِهِ مِنَ الكَلَامِ، وَهُو الفَاحِشُ مِنَ الكَلَامِ.
قَولُهُ: «وَطُعمَة»: بِضمِّ الطَّاءِ؛ وَهُوَ الطَّعَامُ الذِي يُؤكَلُ.
قَولُهُ: «مَن أدَّاهَا قَبلَ الصَّلَاةِ»: أي قَبلَ صَلَاةِ العِيدِ.
قَولُهُ: «فَهِيَ زَكَاةٌ مَقبُولَةٌ»: المُرَادُ بِالزَّكَاةِ صَدَقَةُ الفِطرِ.
قَولُهُ: «صَدَقَةٌ مِنَ الصَّدَقَاتِ»: يَعنِي التِي يٌتَصَدَّقُ بِهَا فِي سَائِرِ الأوقَاتِ.
والمقصود بإخراج زكاة الفطر: إغناء الفقراء عن سؤال الناس في يوم العيد، كما ورد في حديث الدارقطني:" أغنوهم عن الطواف في هذا اليوم"، أي أغنوا الفقراء عن الطواف والسعي في الأسواق ونحوها بطلب الرزق في هذا اليوم، وهو يوم العيد، وذلك بإعطائهم الزكاة. كما أنها سبب لقبول الصيام. يقول ابن رشد الجد: « وكان سبب فرضه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إياها الدواف التي كانت تدف عليه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أيام الهجرة بالمدينة، فكانوا ينزلون في المسجد ويأوون إليه، فإذا حضر الفطر رجع أهل القرار إلى ما أعد لهم أهلهم من الطعام، ويرجع أهل المسجد إلى غير شيء أعد لهم، ففرض رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - زكاة الفطر وأمر بجمعها في المسجد، وكان أكثر ما يؤدون التمر، لأنه كان جل عيشهم، فكانوا إذا انصرفوا إلى المسجد جلسوا عليه وأكلوا منه، فما فضل عنهم قسمه رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بين الفقراء والمساكين وقال: « أغنوهم عن طواف هذا اليوم ». رواه البيهقي، جماع أبواب زكاة الفطر: باب وقت إخراج زكاة الفطر، (ح 7739).
[ينظر: المقدمات الممهدات، (1/334)].
وقد أشار إلى ذلك ابن عاشر الذي يقُول:
مِنْ مُسلمٍ، بِجُلِّ عَيشِ القومِ = لتُغنِ حُرًّا مُسلمًا فِي اليومِ
وقال بعض الفقهاء: " إنها بمثابة الجبر للنقص في صيام المكلف على ظاهر الحديث الذي ذكرناه كما تُطهِّرُ الصائمَ مِنْ ذَنْبِه الذي لَحِقَهُ خلالَ صومِه بسبب اللَّغْوِ والرَّفَثِ والفحش؛ فيُعوِّضُ ما فاتَ مِنْ أَجْرِه، ويُكمِّلُ ما نَقَصَ مِنْ عَمَلِه، فهي زكاةُ بَدَنٍ تحمل مَعْنَى مُواساةِ الأغنياء للفُقَراء والمساكينِ في يوم العيد، تُعلِّمُ الصائمَ أَنَّ عليه حقًّا مفروضًا يكفُّ فيه الفقيرَ عن المسألة بإغنائه بهذه الصدقةِ الواجبة بالفطر مِنْ رمضان؛ فتُدْخِلُ السرورَ عليه في يومٍ يُسَرُّ المسلمون بقدوم العيد عليهم، وفوق هذا وذاك فهي دليلٌ على صِدْقِ إيمانِ المُزكِّي بامتثاله لأمرِ اللهِ وأَمْرِ رسوله - صلَّى الله عليه وسلَّم - في صيامِ شهرِ رمضان وقيامِ لَيَالِيه؛ طاعةً لله تعالى وشكرًا على نعمةِ التوفيقِ لها خاصَّةً، ولسائر النِّعَمِ الأخرى في شهر رمضان وغيرِه. [ ينظر: «المُغْنيَ» لابن قدامة (56 /3)].
3- حُكْم زكاة الفطر:
زكاة الفطر فرع من الزكاة التي هي ركن من أركان الإسلام، غير أنها ليست تصل إلى درجة الركنية كما هو حال الزكاة الشرعية في المال. وزكاة الفطر زكاة الرقاب وليست زكاة الأموال، فهي حق على كل رقبة.
وأدلة مشروعيتها ووجوبها أحاديث كثيرة، منها ما رواه الإمام مالك عن نافع، عن عبد الله بن عمر أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: « فرض زكاة الفطر من رمضان على الناس صاعا من تمر، أو صاعا من شعير، على كل حر أو عبد ذكر أو أنثى من المسلمين».[3]
يقول الإمام ابن أبي زيد القيرواني المالكي: « وزكاة الفطر سنة واجبة فرضها رسول الله- صلى الله عليه وسلم- على كل كبير أو صغير ذكر أو أنثى حر أو عبد من المسلمين...».[4]
وجمهور علماء الأمة على أن زكاة الفطر واجبة، واختلفوا هل تجب وجوب الفرائض فتدخل في مسمى الزكاة التي هي ركن الدين، أم تجب وجوب السنن؟ ويُروى عن عمر بن عبد العزيز أنه قال في قَوْله تَعَالَى: { قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى} أنها زكاة الفطر ثم الغدو إلى المصلى.[5] وهذا فيه دليل على أنها مفروضة بالقرآن مثلها مثل الزكاة الركن.
ولكن المشهور أنها فرض مستقل فرضه النبي صلى الله عليه وسلم على المسلمين كما سيأتي.
وذهب بعض متأخري المالكية من أهل العراق إلى أن زكاة الفطر سنة غير واجبة، واحتجوا لذلك بما رُوي عن قيس بن سعد بن عبادة قال: «كنا نصوم عاشوراء ونؤدي صدقة الفطر، فلما نزل رمضان ونزلت الزكاة لم نؤمر به ولم ننه عنه، وكنا نفعله».[6]
والصحيح أنها سنة واجبة مفروضة، كما ذهب إليه جمهور الأمة. وخير دليل على ذلك ما قاله ابن المنذر: "أجمع كل من نحفظ عنه من أهل العلم على أن صدقة الفطر فرض"، وقال إسحاق: " هو كالإجماع من أهل العلم". (الفقه الإسلامي وأدلته للزحيلي، ج3، ص: [2037]).
قال شَيخنا الخَديم - رضي الله عنه- في منظومته " تَزوُّد الشُّبان":
ثُمَّ زكاةُ الفِطرِ صَاعٌ قَد تَجِبْ عَنكُمْ = وعَمنْ قُوتُه مِنكُم طُلبْ
وقال الإمام عبد الواحد بن عاشر في منظومته :
(فصلُ) زكاةُ الفِطر صَاعٌ وتجبْ = عن مسلمٍ ومَن بِرزقه طُلبْ
فائدة: فرضت زكاة الفطر في السنة التي فرضت فيها رمضان قبل العيد، أي في السنة الثانية من الهجرة.
4- عَلى من تجبُ زكاة الفطر؟
وَتجبُ على نَفسه وعَلى كل مُسلم تلْزمهُ نَفَقَته بِأحد أُمُور ثَلَاثَة:
1- بِقرَابَة، كوالدَيْه الفَقيرين وَأَوْلَاده الذُّكُور - للبلوغ - قَادِرين على التكسب، وَالْإِنَاث لدُخُول الزَّوْج بِهن أَو الدُّعَاء للدخول.
2- أَو بزوجية فيزكي عَن زَوجته وَزَوْجَة أَبِيه الْفَقِير.
3- أَو برقٍّ كعَبيده وَعبيد أَبِيه وَأمه وَولده، حَيْثُ كَانُوا أَهلا للإخدام. [ ينظر كتاب: " الخلاصة الفقهية على مذهب السادة المالكية"، المؤلف: محمد العربي القروي، الناشر: المكتبة الشرقية، الطبعة الأولى: 1431ه - 2010م، ص:172]
يقول القاضي عبد الوهاب المالكي في من تجب عليه زكاة الفطر: «... تلزم الرجلَ عَن نفسه وعَن من تلزمه نفقته من المسلمين؛ من ولد صغير لا مال له، أو كبير زمِن فقير، أو زوجته...».[7]
وحديث مالك السابق وحديث البخاري الآتي يدلان على أن زكاة الفطر واجبة على كل مسلم كيفما كان نوعه أو جنسه أو حاله.
يقول ابن رشد الجد: «... فهي [أي: زكاة الفطر] تجب على من لا مال له إذا كان عنده فضل عن قوت يومه... قاله ابن حبيب. وقال غيره: إلا أن يضر ذلك به، ويؤدي إلى جوعه، وجوع عياله. ومن ليس له إلا هذا المقدار، فهو من الفقراء الذين تحل لهم الزكاة».[8]
فليس إذاً من شرط هذه الزكاة الغنى ولا نصاب عند أكثر العلماء، بل أن تكون فضلا عن قوته وقوت عياله فقط.[9]
والجمهور على أنه لا تجب زكاة الفطر على المرء في أولاده الصغار إذا كان لهم مال زكاة فطر، وبه قال الشافعي وأبو حنيفة ومالك.[10]
ويجُوز لأي مسكين أن يأخذ زكاة الفطر ولو كان ممن تجب عليهم إخراجها، ويُكره تبادلها بنفسها بين فردين حتى لا تدخل في باب الرجوع في الصدقة.
كما يجوز للإنسان إن كان غائبا عن بلده في سفر ونحوه أن يؤدي عنه أهله الزكاة إن أوصاهم بذلك أو جرت العادة به، أما إذا لم تجر به العادة ولم يوصهم فعليه إخراجها عن نفسه في البلد الذي هو فيه. ومن كان عاجزاً عنها وقت وجوبها، ثم قدر عليها يوم العيد، فلا يجب عليه إخراجها وإنما يندب.
5- وقتُ وجوبها:
قال صاحبُ كتاب" الخُلاصة الفِقهية عَلى مَذهب السَّادة المالكية"، ص: (172): " ... وزمن وُجُوبهَا: غُرُوب آخر يَوْم من رَمَضَان على قَول، أَو فجر أول يَوْم من شَوَّال على آخر.
وقال بعضُهم هُناك قولان:
الأول: تجبُ بغروب شَمس آخر يوم من رمضان بناء على تفسير البعض أن المراد من كلمة الفطر الواردة في الخبر: (أن رسول اللَّه - صلى اللَّه عليه وسلم - فرض زكاة الفطر من رمضان) الفطر الجائز.
القول الثاني: تجبُ بطلوع فجر أول يوم من شوال بناء على أن المراد من كلمة الفطر السابقة الذكر في الخبر: الفطر الواجب الذي يدخل وقته بطلوع فجر شهر شَوال.
فكل من ولد له ولد، أو تزوج، أو اشترى عبداً، قبل غروب شمس آخر يوم من رمضان، وجب على الأب، أو الزوج، أو السيد، إخراج زكاة فطر ولده، أو زوجته، أو عبده. أما إن حصل ذلك بعد الغروب وقبل طلوع فجر يوم شوال لم تجب بناء على القول الأول، وتجبُ بناء على القول الثاني.
ويقول القاضي عبد الوهاب البغدادي: «... وتجب بغروب الشمس من آخر يوم من رمضان، وقيل بطلوع الفجر من يوم الفطر، ووقت استحبابها قبل الغدو إلى المصلى، وتجب على من فضل عن قوته وقوت عياله بقدرها ». [ ينظر : التلقين،(1/67)].
وسبب اختلافهم في هل تجب بغروب شمس آخر يوم من رمضان أو بطلوع فجر يوم العيد: هل هي عبادة متعلقة بيوم العيد، أو بخروج شَهر رمضان؟ لأن ليلة العيد ليسَت من رمضان. ومن فائدة هذا الاختلاف في المولود يُولد قبل الفجر من يوم العيد وبعد مغيب الشمس هل تجبُ عليه أم لا؟.] [ ينظر: بداية المجتهد، ونهاية المُقتصد، لابن الرشد (2/44).
قال الشيخ محمد بن محمد المختار الشنقيطي:" وفي الجنين وجهان: أثر من عثمان- رضي الله عنه- وسليمان بن يسار- رحمه الله- أنهم كانوا يخرجون عن الجنين واستحب بعض السلف وبعض الأئمة كما نقله ابن الملقن وغيره في شرح العمدة أنه يخرج عن الجنين إذا تمت له أربعة أشهر ، وبناءً على ذلك يقولون إنه يخرج عن الجنين لأنه في حكم الحي حينئذٍ ومنهم من اعتبر أربعين يوماً والأقوى الأول من استتمام المدة لنفخ الروح لحديث عبدالله بن مسعود- رضي الله عنه- الثابت في الصحيح ".
6- شروطُ وجُوبها:
زكاة الفطر ـ مِنْ حيث حكمُها التكليفيُّ ـ فرضُ عينٍ على كُلِّ مَنْ تَوفَّرَتْ فيه شروطُ وجوبِها وهي:
• شرطُ الإسلام: فلا تجب زكاةُ الفطر على الكافر حُرًّا كان أو عبدًا عند الجمهور، خلافًا للشافعية[11]؛ لأنَّ زكاة الفطر قُرْبةٌ مِنَ القُرَبِ وطُهْرةٌ للصائم مِنَ اللغو والرفث، والكافرُ ليس مِنْ أهل القُرَبِ فلا تُقْبَلُ منه؛ لذلك قيَّدَها حديثُ ابنِ عمر - رضي الله عنهما- الذي يقُول:
« فَرَضَ رَسُولُ اللهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - زَكَاةَ الفِطْرِ صَاعًا مِنْ تَمْرٍ أَوْ صَاعًا مِنْ شَعِيرٍ، عَلَى العَبْدِ وَالحُرِّ، وَالذَّكَرِ وَالأُنْثَى، وَالصَّغِيرِ وَالكَبِيرِ مِنَ المُسْلِمِينَ، وَأَمَرَ بِهَا أَنْ تُؤَدَّى قَبْلَ خُرُوجِ النَّاسِ إِلَى الصَّلَاةِ» [12].
• شرط القدرة لمَنْ يجب عليه إخراجُ زكاة الفطر: لأنَّ غيرَ القادرِ مرفوعٌ عنه الحَرَجُ؛ لقوله تعالى: { لَا يُكَلِّفُ ٱللَّهُ نَفۡسًا إِلَّا وُسۡعَهَا} [البقرة: 286]، وقولِه تعالى: { وَمَا جَعَلَ عَلَيۡكُمۡ فِي ٱلدِّينِ مِنۡ حَرَج} [الحج: 78].
• أضافَ الجمهورُ شَرْطَ الحُرِّيَّةِ في وجوبِ زكاة الفطر؛ فلا تجب ـ عندهم ـ إلَّا على مَنْ كان حُرًّا مسلمًا؛ لأنَّ غيرَ الحُرِّ لا يَمْلِك ولا يُملَّكُ، وخالَفَ في ذلك الحنابلةُ فتجب زكاةُ الفطر ـ عندهم ـ على الرقيق سواءٌ كان صغيرًا أو كبيرًا كما تجب على الحُرِّ وهو الراجحُ، يشهد له عمومُ حديثِ ابنِ عمر رضي الله عنهما: «فَرَضَ رَسُولُ اللهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - صَدَقَةَ الفِطْرِ صَاعًا مِنْ شَعِيرٍ أَوْ صَاعًا مِنْ تَمْرٍ، عَلَى الصَّغِيرِ وَالكَبِيرِ، وَالحُرِّ وَالمَمْلُوكِ »، وفي لفظِ مسلمٍ: « فَرَضَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ زَكَاةَ الْفِطْرِ صَاعًا مِنْ تَمْرٍ أَوْ صَاعًا مِنْ شَعِيرٍ، عَلَى كُلِّ عَبْدٍ أَوْ حُرٍّ، صَغِيرٍ أَوْ كَبِيرٍ»[13]، ولأنَّ زكاة الفطر زكاةٌ على الأبدان؛ فوَجَبَ على السيِّدِ أَنْ يُخْرِجَها عن عبده؛ لأنه صاحِبُ ولايةٍ عليه؛ فأَشْبَهَ ابنَه الصغيرَ [14].
وفي هذا المضمار يقول الشيخُ محمد العربي القروي مصنِّفُ كتاب" الخلاصة الفقهية على مذهب السادة المالكية": " وَتجب عَلى من اجْتمعت فِيهِ ثَلَاثَة شُرُوط:
1- أَن يكُون حُرًّا.
2- مُسلما.
3- قَادِرًا عَلَيْهَا فِي وَقت الْوُجُوب، وَلَو بتسلف قدرهَا إِن كَانَ يَرْجُو قَضَاء دينه " [15].
7- أركانُ زكاةِ الفِطر
وأركانها أربعة: المُخرِج بكسر الراء، والمخرَج بالفتح، والوقتُ المُخرج فيه، والمدفُوعة إليه.
8- وقتُ إخراجها:
يجُوز إخراج صدقة الفطر قبل يوم العيد بيوم أو يومين، ولا يجوز أكثر من ذلك على المعتمد. ويندب إخراجها بعد فجر يوم العيد، ويحرم تأخيرها عن يوم العيد، ولكن لا تسقط بمضي ذلك اليوم، بل تبقى في ذمته أبداً حتى يخرجها، طالما كان غنياً وقت وجوبها.
ويقول ابن رشد الجد: « ويستحب لمن وجبت عليه زكاة الفطر أن يؤديها يوم الفطر قبل الغدو إلى المصلى، فإن أخرجها قبل ذلك بيوم أو يومين أو ثلاثة أجزأ على الاختلاف فيمن أخرج زكاته قبل حلول الحَول بيسير». (المقدمات الممهدات، (1/335).
وقال شَيخنا في منظومته " تزود الشُّبان:
وعَنْ طُلُوعِ الفَجْرِ من قبْلِ الصَّلاةْ = عِندَهُمُ نُدِبَ إخراجُ الزكاةْ
وكرِهُوا بَعْدَ طلُوعِ الشَّمسِ = تَأخيرَها كالزَّيدِ دُون لبْسِ
فَقَدْ جَاءَ عَنِ ابنِ عُمَرَ - رضي الله عنهما -: «أنَّ رَسُولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - أمَرَ بِزَكَاةِ الفِطْرِ أنْ تُؤَدَّى قَبلَ خُرُوجِ النَّاسِ إلَى الصَّلَاةِ» أخرجه البخاري (1503)، ومسلم (984).
وَقَولُهُ: « وَأمَرَ بِهَا أنْ تُؤدَّى قَبلَ خُرُوجِ النَّاسِ إلَى الصَّلَاةِ »؛ يَدُلُّ عَلَى أنَّ المُبَادَرَةَ بِهَا هِيَ المَأمُورُ بِهَا، وَلِهَذَا يُسَنُّ تَأخِيرُ صَلَاةِ العِيدِ يَومَ الفِطرِ لِيَتَّسِعَ الوَقْتُ عَلَى مَنْ أرَادَ إخْرَاجَهَا، كَمَا يُسَنُّ تَعجِيلُ صَلَاةِ العِيدِ يَومَ الأضْحَى لِيَذهَبَ النَّاسُ لِذَبحِ أضَاحِيهِم وَيَأكُلُوا مِنهَا.
[ ينظر: أَحْكَامُ زَكَاةِ الفِطرِ مُحَمَّد عبد الله بن مُحَمَّد سَعِيد رَسْلان، وأحكام زكاة الفطر عند المالكية]
وجاء في الموطإ عَنْ مَالِكٍ عَنْ نَافِعٍ، أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ - رضي الله عنه- كَانَ « يَبْعَثُ بِزَكَاةِ الْفِطْرِ إِلَى الَّذِي تُجْمَعُ عِنْدَهُ قَبْلَ الْفِطْرِ، بِيَوْمَيْنِ أَوْ ثَلَاثَةٍ ». وورد فيه أيضا قول مالك أنه: « رَأَى أَهْلَ الْعِلْمِ يَسْتَحِبُّونَ أَنْ يُخْرِجُوا زَكَاةَ الْفِطْرِ إِذَا طَلَعَ الْفَجْرُ مِنْ يَوْمِ الْفِطْرِ، قَبْلَ أَنْ يَغْدُوا إِلَى الْمُصَلَّى ». قَالَ مَالِكٌ: « وَذَلِكَ وَاسِعٌ إِنْ شَاءَ اللَّهُ، أَنْ تُؤَدَّى قَبْلَ الْغُدُوِّ مِنْ يَوْمِ الْفِطْرِ وَبَعْدَهُ ».
والخلاصة من أقوال الفقهاء في هذه المسألة أنها تجب بعد استيفاء صيام شهر رمضان، ويتأكد الوجُوب بعد طلوع فجر يوم العيد وقبل صلاة العيد، ويجوز أن تُخرج قبل انقضاء شهر رمضان بنحو يومين أو ثلاثة من أجل المصلحة والحاجة.
9- مقدارها والأصنافُ التي تُخرج منها:
قَدرهَا صَاعٌ، وَهُوَ أَرْبَعَة أَمْدَاد، وَالْمدّ حفْنَة ملْء الْيَدَيْنِ المتوسطة، وهو يُساوي بالوزن الحالي: 176 جراما وكيلوين حسب الوزن بالقمح. والمد يُساوي: 544 جراما حسب الوزن بالقمح.
[حاشية الصاوي على الشرح الصغير (3/223)]
وقال فضيلة المفتي الشيخ/ عطية صقر - (مايو 1997):" والصَّاع يقدر بالكيلو جرام هكذا: الصاع يساوي 696 درهماً، والكيلو جرام يساوي 324 درهماً، وبقسمة دراهم الصَّاع وهو 696 على دراهم الكيلو جرام وهي 324 يساوي الصاع اثنين من الكيلو جرامات، 48 درهماً. أي أربع أوقيات ".
وَقد فضل ذَلِك الصَّاع عَن قوته وقوت عِيَاله فِي يَوْم عيد الْفطر، وَقد ملكه وَقت الْوُجُوب وَيكُون الصَّاع من أغلب قوت أهل الْمحل، كما أشار إلى ذلك شَيخنا في منظومته " تزود الشُّبان الذي يقُولُ:
مِنْ مُسلمٍ بِجُلِّ عَيشِ الدَّهرِ = وَلتُعطَ حُرًّا مُسلمًا ذَا فَقْرِ
وَهُوَ من صِنف من هاته الْأَصْنَاف التِّسْعَة: الْقَمْح، وَالشعِير، والسُّلت، والذرة، والدخن والأرز، وَالتَّمْر، وَالزَّيْت، والأقط - وَهُوَ يَابِس اللَّبن الْمخْرج زبده-، كما روي عَنْ أبي سَعِيدٍ الخُدْرِيَّ - رَضيَ اللهُ عَنْهُ - قَالَ: " كُنَّا نُخْرِجُ زَكَاةَ الفِطْرِ، صَاعًا مِنْ طَعَامٍ، أوْ صَاعًا مِنْ شَعِيرٍ، أوْ صَاعًا مِنْ تَمْرٍ، أوْ صَاعًا مِنْ أقِطٍ، أوْ صَاعًا مِنْ زَبِيبٍ" (مُتفقٌ عليه: أخرجه البخاري برقم: [1506] واللفظ له، ومسلم برقم: [985]). وَعَنْ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ - رَضيَ اللهُ عَنْهُ- قَالَ: "كُنَّا نُخْرِجُ فِي عَهْدِ رَسُولِ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- يَوْمَ الفِطْرِ صَاعًا مِنْ طَعَامٍ، وَكَانَ طَعَامُنَا الشَّعِيرُ وَالزَّبِيبُ، وَالأقِطُ وَالتَّمْرُ " (مُتفقٌ عليه: أخرجه البخاري برقم: [1510] واللفظ له، ومسلم برقم: [985]).
وقال بعضُهم:
قمحٌ شَعيرٌ وزَبيبٌ سُلت ... تَمر مع الأُرز دُخن ذرَّة
فَلَا يُجزئ الْإِخْرَاج من غَيرهَا وَلَا من وَاحِد مِنْهَا إِذا اقتيت غَيرُه؛ إِلَّا أَن يخرج الْأَحْسَنَ، فَينْدب كَمَا لَو غلب اقتيات الشّعير فَاخْرُج قمحا، فَإِذا اقتيت غير هاته الْأَصْنَاف كالعلس وَاللَّحم والفول والعدس والحمص وَنَحْوهَا أخرج الصاع من المقتات .
وإذا كان قُوت أهلِ البلد من غير الحبوب والثمار كاللبن، واللحم، والسَّمك، ونحوها فيُخرجون زكاة الفطر من قُوتهم الحلال كائنًا ما كان؛ لأن المقصُود سد حاجة المساكين يَوم العيد، ومُواساتهم من جنس ما يقتاتُ أهل بلدهم.
وأفضلُ أنواع هذه الأطعمة المذكورة أنفعها للمتصدَّق عليه، وأحبُّها إليه؛ لأنه الذي يحصل به الإغناء المطلوب للمساكين في ذلك اليوم. [ ينظر كتاب: " الخلاصة الفقهية على مذهب السادة المالكية"، المؤلف: محمد العربي القروي، الناشر: المكتبة الشرقية، الطبعة الأولى: 1431ه - 2010م، ص:172 وما بعدها، بتصرُّف ]
10- حُكم إخراج قيمتها
وجوَّز بعض فُقهاء الحَنفية إخراج زكاة الفطر قيمة أو ما قيمة الصاع تُقدَّر بقيمة مالية وتُدفع عن كل شخص، ولكن المشهور في المذهب عدم إخراج القيمة، كما قال مالكٌ: ولا يُجْزِئُهُ أَنْ يدفع في الفطرةِ ثمناً. اهـ (النوادر والزيادات (2/ 303).
وسئل عن الرجل لا يكون عنده قمح يوم الفطر، فيريد أن يدفع ثمنه إلى المساكين يشترونه لأنفسهم، ويرى أن ذلك أعجل؛ قال: لا يفعل ذلك، وليس كذلك قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم-. ومن رواية عيسى قال ابن القاسم: ولو فعل لم أر به بأساً.
قال محمد بن رشد: رواية عيسى هذه عن ابن القاسم خلاف رواية أبي زيد عنه بعد هذا، وقد قيل: إنها ليس بمخالفة لها، وإنما خفف ذلك. [البيان والتحصيل: 2/486].
وفي هذا الصَّدد قال صاحبُ " الكَفاف ":
وقيمة الزكاة عنها تكفي = لدى الإمام الحَنفي والجعفي
وهو الذي به يقول أشهبُ = ومثله للعتقيّ ينسبُ
ولكن الأصح عَنه المعتبرْ = عدمُ الاجزا وعليه المُختصرْ
وقال أَبُو مُحَمَّد عبد الله بن مُحَمَّد سَعِيد رَسْلان في أحكام زكاة الفطر: " وَأمَّا إخرَاجُهَا مَالًا فَلَا يَجُوزُ مُطلَقًا؛ لأنَّ الشَّارِعَ فَرَضَهَا طَعَامًا لَا مَالًا، وَحَدَّدَ جِنسَهَا وَهُوَ الطَّعَامُ فَلَا يَجُوزُ الإخرَاجُ مِن غَيرِهِ، وَلأنَّهُ أرَادَهَا ظَاهِرَةً لَا خَفِيَّةً، فَهِيَ مِنَ الشَّعَائِرِ الظَّاهِرَةِ، وَلأنَّ الصَّحَابَةَ أخرَجُوهَا طَعَامًا؛ وَنَحنُ نَتَّبِعُ وَلَا نَبتَدِعُ.
ثُمَّ إخرَاجُ زَكَاةِ الفِطرِ بِالطَّعَامِ يَنضَبِطُ بِهَذَا الصَّاعِ، أمَّا إخرَاجُهَا نُقُودًا فَلَا يَنضَبِطُ، فَعَلَى سِعرِ أيِّ شَيءٍ يَخرُجُ؟
وَقَدْ تَظْهَرُ فَوَائِدُ لإخرَاجِهَا قُوتًا كَمَا فِي حَالَاتِ الاحتِكَارِ وَارتِفَاعِ الأسعَارِ وَالحُرُوبِ وَالغَلَاءِ.
وَلَو قَالَ قَائِلٌ: النُّقُودُ أنفَعُ لِلفَقِيرِ وَيَشتَرِي بِهَا مَا يَشَاءُ وَقَد يَحتَاجُ شَيئًا آخَرَ غَيرَ الطَّعَامِ، ثُمَّ قَدْ يَبِيعُ الفَقِيرُ الطَّعَامَ وَيَخسَرُ فِيهِ!
فَالجَوَابُ عَنْ هَذَا كُلِّهِ: أنَّ هُنَاكَ مَصَادِرَ أخْرَى لِسَدِّ احتِيَاجَاتِ الفُقَرَاءِ فِي المَسْكَنِ وَالمَلْبَسِ وَغَيرِهَا، وَذَلِكَ مِن زَكَاةِ المَالِ وَالصَّدَقَاتِ العَامَّةِ وَالهِبَاتِ وَغَيرِهَا فَلنَضَعِ الأمُورَ فِي نِصَابِهَا الشَّرعِيِّ، وَنَلتَزِمُ بِمَا حَدَّدَهُ الشَّارِعُ وَهُوَ قَدْ فَرَضَهَا صَاعًا مِن طَعَامٍ: طُعمَةٌ لِلمَسَاكِينِ.
وَنَحنُ لَو أعطَينَا الفَقِيرَ طَعَامًا مِن قُوتِ البَلَدِ؛ فَإنَّهُ سَيَأكُلُ مِنهُ وَيَستَفِيدُ عَاجِلًا أوْ آجِلًا؛ لأنَّ هَذَا مِمَّا يَستَعمِلُهُ أصْلًا، وَبِنَاءً عَلَيهِ فَلَا يَجُوزُ إعطَاؤُهَا مَالًا لِسَدَادِ دَينِ شَخصٍ، أوْ أُجرَةِ عَمَلِيَّةٍ جِرَاحِيَّةٍ لِمَرِيضٍ، أو تَسدِيدِ قِسطِ دِرَاسَةٍ عَن طَالبٍ مُحتَاجٍ، وَنَحوِ ذَلِكَ، فَلِهَذَا مَصَادِرُ أُخرَى كَمَا تَقَّدمَ".
11- مندوباتُ وجَائزاتُ زَكَاة الْفطر
مندوباتها أَرْبَعَة :
1- إخْرَاجهَا بعد الْفجْر وَقبل صَلَاة الْعِيد. 2- وإخراجها من قوته الْأَحْسَن من قوت أهل الْبَلَد.
3- وإخراجها لمن زَالَ فقرُه أَو زَالَ رقّه فِي يَوْمهَا.
4- وَعدم الزِّيَادَة عَلى الصَّاع، بَل تكره الزِّيَادَة.
وقال شَيخنا في منظومته " تزود الشُّبان:
وعَنْ طُلُوعِ الفَجْرِ من قبْلِ الصَّلاةْ = عِندَهُمُ نُدِبَ إخراجُ الزكاةْ
وكرِهُوا بَعْدَ طلُوعِ الشَّمسِ = تَأخيرَها كالزَّيدِ دُون لبْسِ
وجَائزاتها ثَلَاثَة:
1- دفع صَاع وَاحِد لمساكين يقتسمونه.
2 - وَدفع آصَع مُتعَدِّدَة لوَاحِد من الْفُقَرَاء 3- وَإِخْرَاج الزَّكَاة قبل يَوْمَيْنِ من وَقت وُجُوبهَا لَا أَكثر.
12- مسائل متفرقة
س- لمن تُدفع زَكَاة الْفطر؟ وَمَا هُوَ حُكم الْعَاجِز عَن بَعْضهَا؟
ج - تُدفَع لمن توفرت فِيهِ هاته الشُّرُوط الْأَرْبَعَة:
1- أَن يَكُون حُرًّا، فلا تجزئ لعبدٍ.
2 مُسلما، فلا تجزئ لكافر .
3- فَقِيرا أَو مِسْكينا الذي لا يملك قوت عامه أو من لا يملكُ شيئا.
4- غير هاشمي، لشرفه وتنزهه عن أوساخ الناس .
وقَد أشار إلى ذلك صَاحبُ منظومة " تزود الشُّبان":
........................ = وَلتُعطَ حُرًّا مُسلمًا ذَا فَقْرِ
وَمن لم يقدر على إِخْرَاج كَامِل مَا عَلَيْهِ من الزَّكَاة أخرج مَا قدر عَلَيْهِ وجُوبا.
فَإِن وَجب عَلَيْهِ آصَع مُتعَدِّدَة وَلم يجد إِلَّا بعضا، فَإِنَّهُ يبْدَأ بِنَفسِهِ ثمَّ بِزَوْجَتِهِ ثمَّ بقرابته كالابن وَالْأَب.
س - هَل تسْقط زَكَاة الْفطر بِمُضِيِّ زَمَنهَا ؟ وَمَتى يَأْثَم من وَجَبت عَلَيْهِ؟
ج - لَا تسْقط زَكَاة الْفطر عَن غني بهَا وَقت وُجُوبهَا بِمُضِيِّ زَمَنهَا الَّذِي هُوَ غرُوب شَمس يَوْم الْعِيد، بل هِيَ بَاقِيَة فِي ذمَّته أبدا حَتَّى يُخرجهَا، وَلَو مضى عَلَيْهَا سِنِين. وَيَأْثَم بِمن تجبُ عَلَيْهِ إِن أَخّرهَا للغروبِ، لتَفويته وَقت الْأَدَاء الَّذِي هُوَ الْيَوْم كُله.
المراجع:
- كتاب: " الخلاصة الفقهية على مذهب السادة المالكية"، المؤلف: محمد العربي القروي، الناشر: المكتبة الشرقية، الطبعة الأولى: 1431ه - 2010م.
- الفقه الإسلامي وأدلته للزحيلي، ج3 .
- الرسالة، أبو محمد عبد الله بن أبي زيد القيرواني، (المتوفى: 386 هـ)، دار الفكر.
- بداية المجتهد ونهاية المقتصد، أبو الوليد محمد بن أحمد بن رشد الحفيد، (المتوفى: 595هـ)، دار الحديث - القاهرة، بدون طبعة، تاريخ النشر: 1425هـ - 2004 م.
- التلقين في الفقة المالكي، أبو محمد عبد الوهاب بن علي البغدادي المالكي، (المتوفى: 422 هـ)، تحقيق ابي أويس محمد بو خبزة، دار الكتب العلمية، الطبعة الأولى: 1425هـ - 2004م.
أحكامُ زكاة الفِطر أَبُو مُحَمَّد عبد الله بن مُحَمَّد سَعِيد رَسْلان
الهوامشُ:
[1] ينظر: لسان العرب، أبو الفضل محمد بن منظور، (المتوفى: 711هـ)، دار صادر - بيروت، الطبعة الثالثة: 1414 هـ. مادة "زكا".
[2] المقدمات الممهدات، أبو الوليد محمد بن رشد الجد، (المتوفى: 520 هـ)، دار الغرب الإسلامي، الطبعة الأولى: 1408 هـ - 1988 م (1/272).
[3] الموطأ، مالك بن أنس، (المتوفى: 179هـ)، تحقيق محمد فؤاد عبد الباقي، دار إحياء التراث العربي، بيروت - لبنان، تاريخ النشر: 1406 هـ - 1985 م كتاب الزكاة: باب من تجب عليه زكاة الفطر، (رقم الحديث 52).
[4] الرسالة، أبو محمد عبد الله بن أبي زيد القيرواني، (المتوفى: 386 هـ)، دار الفكر، باب في زكاة الفطر، ص 71.
[5] المقدمات الممهدات، ابن رشد الجد، كتاب الزكاة الثاني: فصل في القول في زكاة الفطر (1/333).
[6] السنن الكبرى، أبو عبد الرحمن أحمد بن شعيب النسائي، (المتوفى: 303هـ)، تحقيق حسن عبد المنعم شلبي، مؤسسة الرسالة - بيروت، الطبعة الأولى:1421 هـ - 2001 م، كتاب الزكاة: فرض صدقة الفطر قبل نزول الزكاة، (ح 2297).
عن هذا الموضوع يُنظر: بداية المجتهد ونهاية المقتصد، أبو الوليد محمد بن أحمد بن رشد الحفيد، (المتوفى: 595هـ)، دار الحديث - القاهرة، بدون طبعة، تاريخ النشر: 1425هـ - 2004 م. (2/40).
[7] التلقين في الفقة المالكي، أبو محمد عبد الوهاب بن علي البغدادي المالكي، (المتوفى: 422 هـ)، تحقيق ابي أويس محمد بو خبزة، دار الكتب العلمية، الطبعة الأولى: 1425هـ - 2004م. كتاب الزكاة: باب زكاة الفطر، (1/67).
[8] البيان والتحصيل والشرح والتوجيه والتعليل لمسائل المستخرجة، أبو الوليد محمد بن رشد الجد، (المتوفى: 520هـ)، تحقيق محمد حجي، دار الغرب الإسلامي، بيروت - لبنان، الطبعة الثانية: 1408 هـ - 1988 م. كتاب زكاة الحبوب والفطر، (2/483).
[9] بداية المجتهد ونهاية المقتصد، (2/41).
[10] بداية المجتهد ونهاية المقتصد، (2/41).
[11] والأَصَحُّ ـ عند الشافعية ـ وجوبُ زكاةِ الفطر على الكافر، ويُؤدِّيها عن أَقارِبِه المسلمين، [انظر: «مُغْنيَ المحتاج» للشربيني (1/402)].
[12] أخرجه البخاريُّ في «الزكاة» بابُ فَرْضِ صدقة الفطر (1503)، ومسلمٌ في «الزكاة» (984- 986)، مِنْ حديثِ ابنِ عمر رضي الله عنهما.
[13] أخرجه البخاريُّ في «الزكاة» بابُ صدقةِ الفطر على الصغير والكبير (1512)، ومسلمٌ في «الزكاة» (984)، مِنْ حديثِ ابنِ عمر رضي الله عنهما.
[14] ينظر: « الكافيَ» لابن عبد البرِّ (111)، «المُغْنيَ» لابن قدامة (3/56)، «الاختيار» لابن مودود (1/123)، «تبيين الحقائق» للزيلعي (306/1)، « مُغْنيَ المحتاج» للشربيني (1/402).
[15] الخلاصة الفقهية على مذهب السادة المالكية"، المؤلف: محمد العربي القروي، الناشر: المكتبة الشرقية، الطبعة الأولى: 1431ه - 2010م، ص:172]
جمع وترتيب الأخ سرين امباكي جوب خضر الطوباوي خريج معهد الدروس الإسلامية ومدرس اللغة العربية والعلوم الشرعية في معهد الخليل الإسلامي
مساء الأحد خاتم شهر رمضان 1438ه / 25 يونيو 2017م .
1- مفهُوم زكاة الفِطر لغة واصطلاحًا :
الزكاة لغة: مأخوذة من الزكاء وهو النَّماء، ومن ذلكَ قولهم: "زكا الزرع" إذا نما وطاب وحَسن، وزكت النَّفقة إذا نمت وبُورك فيها. و"زكّى الشَّيء يزكّيه" أي: نمّاه وطهره. [1]
وسُميت الصَّدقة الواجب أخذها من المال زكاة، لأن المال إذا زكي نَما وبُورك فيه، وقيل: إنما سميت بذلك لأنها تزكو عند الله أي تنمو لصاحبها عنده سبحانه وتعالى، وقيل: إنما سميت بذلك لأنها لا تؤخذ إلا من الأموال التي يبتغى فيها النماء لا من العروض المقتناة.
ويذهب الإمام ابن رشد الجد إلى أنه « سُميت بذلك لأن فاعلها يَزكو بفعلها عند الله تعالى، أي يرتفع حاله بذلك عنده، يشهد لهذا قول الله تعالى: { خُذْ من اموالهم صَدقة تطهرهم وتُزكيهم بها}».[2] [التوبة: 103]
وقيل: سُميت زكاة فطر نسبة إلى الفِطرة، وهي الخلقة، لأنها متعلقة بالأبدان، وقيل لوجوبها بالفطر من الصوم، كما قَالَ الحَافِظُ ابنُ حَجَر - رحمه الله تعالى-: (3/367): « أُضِيفَت الصَّدَقَةُ للفِطْرِ؛ لِكَونِهَا تَجِبُ بِالفِطْرِ مِن رَمَضَانَ ».
تَعريفُ زكاة الفطر في الاصطلاح، باعتبار التركيب: من قبيل إضافة الشيء إلى الشرط، قال شمس الدين أبو عبد الله محمد بن محمد بن عبد الرحمن الطرابلسي المغربي، المعروف بالحطاب الرُّعيني (المتوفى: 954 هـ) مواهب الجليل لشرح مختصر الخليل (3/257): وقال ابن عرفة: زكاة الفطر مصدر إعطاء مسلم فقير لقوت يوم الفطر صاعا من غالب القوت أو جزئه المسمى للجزء والمقصور وجوبه عليه، ولا ينقص بإعطاء صاع ثان لأنه زكاة كالأضحية ثانية وإلا زيد مرة واحدة واسما صاع من الغالب القوت أو جزئه يعطي مسلما فقير القُوت يوم الفطر. [ ينظر: شرح حدود ابن عرفة].
ومن نافلة القول: إنَّ غاية الزكاة تنمية مال الإنسان وتطهير نفسه، لأن الذي يؤدي حق الله في ماله ينمي له الله ماله، ويطهره من الحَرام ويحفظه من الضّياع
2- حِكمة مشروعية زكاة الفطر
شرعت هذه الزكاة تطهيرا للصائم من الخلل في صومه، لحديث ابن عباس رضي اللَّه عنهما قال: قال رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم- : « فَرَضَ رَسُولُ اللهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- زَكَاةَ الْفِطْرِ، طُهْرَةً لِلصَّائِمِ مِنَ اللَّغْوِ وَالرَّفَثِ، وَطُعْمَةً لِلْمَسَاكِينِ؛ فَمَنْ أَدَّاهَا قَبْلَ الصَّلَاةِ فَهِيَ زَكَاةٌ مَقْبُولَةٌ، وَمَنْ أَدَّاهَا بَعْدَ الصَّلَاةِ فَهِيَ صَدَقَةٌ مِنَ الصَّدَقَاتِ» أخرجه أبو داود في «الزكاة» بابُ زكاةِ الفطر (1609)، وابنُ ماجه في «الزكاة» بابُ صدقةِ الفطر (1527)، مِنْ حديثِ ابنِ عبَّاسٍ رضي الله عنهما. وصحَّحه الألبانيُّ في «صحيح الجامع» (3570).
قَولُهُ: «طُهرَةً»: أي: تَطهِيرًا لِلنَّفسِ مِنَ الآثَامِ.
وَقَولُهُ: «اللَّغو»: مَا لَا يَنعَقِدُ عَلَيهِ القَلْبُ مِنَ القَوْلِ وَهُو مَا لَا خَيرَ فِيهِ مِنَ الكَلَامِ.
وَقَولُهُ: «وَالرَّفَثُ»: هُوَ كُلُّ مَا يُستَحَى مِن ذِكرِهِ مِنَ الكَلَامِ، وَهُو الفَاحِشُ مِنَ الكَلَامِ.
قَولُهُ: «وَطُعمَة»: بِضمِّ الطَّاءِ؛ وَهُوَ الطَّعَامُ الذِي يُؤكَلُ.
قَولُهُ: «مَن أدَّاهَا قَبلَ الصَّلَاةِ»: أي قَبلَ صَلَاةِ العِيدِ.
قَولُهُ: «فَهِيَ زَكَاةٌ مَقبُولَةٌ»: المُرَادُ بِالزَّكَاةِ صَدَقَةُ الفِطرِ.
قَولُهُ: «صَدَقَةٌ مِنَ الصَّدَقَاتِ»: يَعنِي التِي يٌتَصَدَّقُ بِهَا فِي سَائِرِ الأوقَاتِ.
والمقصود بإخراج زكاة الفطر: إغناء الفقراء عن سؤال الناس في يوم العيد، كما ورد في حديث الدارقطني:" أغنوهم عن الطواف في هذا اليوم"، أي أغنوا الفقراء عن الطواف والسعي في الأسواق ونحوها بطلب الرزق في هذا اليوم، وهو يوم العيد، وذلك بإعطائهم الزكاة. كما أنها سبب لقبول الصيام. يقول ابن رشد الجد: « وكان سبب فرضه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إياها الدواف التي كانت تدف عليه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أيام الهجرة بالمدينة، فكانوا ينزلون في المسجد ويأوون إليه، فإذا حضر الفطر رجع أهل القرار إلى ما أعد لهم أهلهم من الطعام، ويرجع أهل المسجد إلى غير شيء أعد لهم، ففرض رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - زكاة الفطر وأمر بجمعها في المسجد، وكان أكثر ما يؤدون التمر، لأنه كان جل عيشهم، فكانوا إذا انصرفوا إلى المسجد جلسوا عليه وأكلوا منه، فما فضل عنهم قسمه رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بين الفقراء والمساكين وقال: « أغنوهم عن طواف هذا اليوم ». رواه البيهقي، جماع أبواب زكاة الفطر: باب وقت إخراج زكاة الفطر، (ح 7739).
[ينظر: المقدمات الممهدات، (1/334)].
وقد أشار إلى ذلك ابن عاشر الذي يقُول:
مِنْ مُسلمٍ، بِجُلِّ عَيشِ القومِ = لتُغنِ حُرًّا مُسلمًا فِي اليومِ
وقال بعض الفقهاء: " إنها بمثابة الجبر للنقص في صيام المكلف على ظاهر الحديث الذي ذكرناه كما تُطهِّرُ الصائمَ مِنْ ذَنْبِه الذي لَحِقَهُ خلالَ صومِه بسبب اللَّغْوِ والرَّفَثِ والفحش؛ فيُعوِّضُ ما فاتَ مِنْ أَجْرِه، ويُكمِّلُ ما نَقَصَ مِنْ عَمَلِه، فهي زكاةُ بَدَنٍ تحمل مَعْنَى مُواساةِ الأغنياء للفُقَراء والمساكينِ في يوم العيد، تُعلِّمُ الصائمَ أَنَّ عليه حقًّا مفروضًا يكفُّ فيه الفقيرَ عن المسألة بإغنائه بهذه الصدقةِ الواجبة بالفطر مِنْ رمضان؛ فتُدْخِلُ السرورَ عليه في يومٍ يُسَرُّ المسلمون بقدوم العيد عليهم، وفوق هذا وذاك فهي دليلٌ على صِدْقِ إيمانِ المُزكِّي بامتثاله لأمرِ اللهِ وأَمْرِ رسوله - صلَّى الله عليه وسلَّم - في صيامِ شهرِ رمضان وقيامِ لَيَالِيه؛ طاعةً لله تعالى وشكرًا على نعمةِ التوفيقِ لها خاصَّةً، ولسائر النِّعَمِ الأخرى في شهر رمضان وغيرِه. [ ينظر: «المُغْنيَ» لابن قدامة (56 /3)].
3- حُكْم زكاة الفطر:
زكاة الفطر فرع من الزكاة التي هي ركن من أركان الإسلام، غير أنها ليست تصل إلى درجة الركنية كما هو حال الزكاة الشرعية في المال. وزكاة الفطر زكاة الرقاب وليست زكاة الأموال، فهي حق على كل رقبة.
وأدلة مشروعيتها ووجوبها أحاديث كثيرة، منها ما رواه الإمام مالك عن نافع، عن عبد الله بن عمر أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: « فرض زكاة الفطر من رمضان على الناس صاعا من تمر، أو صاعا من شعير، على كل حر أو عبد ذكر أو أنثى من المسلمين».[3]
يقول الإمام ابن أبي زيد القيرواني المالكي: « وزكاة الفطر سنة واجبة فرضها رسول الله- صلى الله عليه وسلم- على كل كبير أو صغير ذكر أو أنثى حر أو عبد من المسلمين...».[4]
وجمهور علماء الأمة على أن زكاة الفطر واجبة، واختلفوا هل تجب وجوب الفرائض فتدخل في مسمى الزكاة التي هي ركن الدين، أم تجب وجوب السنن؟ ويُروى عن عمر بن عبد العزيز أنه قال في قَوْله تَعَالَى: { قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى} أنها زكاة الفطر ثم الغدو إلى المصلى.[5] وهذا فيه دليل على أنها مفروضة بالقرآن مثلها مثل الزكاة الركن.
ولكن المشهور أنها فرض مستقل فرضه النبي صلى الله عليه وسلم على المسلمين كما سيأتي.
وذهب بعض متأخري المالكية من أهل العراق إلى أن زكاة الفطر سنة غير واجبة، واحتجوا لذلك بما رُوي عن قيس بن سعد بن عبادة قال: «كنا نصوم عاشوراء ونؤدي صدقة الفطر، فلما نزل رمضان ونزلت الزكاة لم نؤمر به ولم ننه عنه، وكنا نفعله».[6]
والصحيح أنها سنة واجبة مفروضة، كما ذهب إليه جمهور الأمة. وخير دليل على ذلك ما قاله ابن المنذر: "أجمع كل من نحفظ عنه من أهل العلم على أن صدقة الفطر فرض"، وقال إسحاق: " هو كالإجماع من أهل العلم". (الفقه الإسلامي وأدلته للزحيلي، ج3، ص: [2037]).
قال شَيخنا الخَديم - رضي الله عنه- في منظومته " تَزوُّد الشُّبان":
ثُمَّ زكاةُ الفِطرِ صَاعٌ قَد تَجِبْ عَنكُمْ = وعَمنْ قُوتُه مِنكُم طُلبْ
وقال الإمام عبد الواحد بن عاشر في منظومته :
(فصلُ) زكاةُ الفِطر صَاعٌ وتجبْ = عن مسلمٍ ومَن بِرزقه طُلبْ
فائدة: فرضت زكاة الفطر في السنة التي فرضت فيها رمضان قبل العيد، أي في السنة الثانية من الهجرة.
4- عَلى من تجبُ زكاة الفطر؟
وَتجبُ على نَفسه وعَلى كل مُسلم تلْزمهُ نَفَقَته بِأحد أُمُور ثَلَاثَة:
1- بِقرَابَة، كوالدَيْه الفَقيرين وَأَوْلَاده الذُّكُور - للبلوغ - قَادِرين على التكسب، وَالْإِنَاث لدُخُول الزَّوْج بِهن أَو الدُّعَاء للدخول.
2- أَو بزوجية فيزكي عَن زَوجته وَزَوْجَة أَبِيه الْفَقِير.
3- أَو برقٍّ كعَبيده وَعبيد أَبِيه وَأمه وَولده، حَيْثُ كَانُوا أَهلا للإخدام. [ ينظر كتاب: " الخلاصة الفقهية على مذهب السادة المالكية"، المؤلف: محمد العربي القروي، الناشر: المكتبة الشرقية، الطبعة الأولى: 1431ه - 2010م، ص:172]
يقول القاضي عبد الوهاب المالكي في من تجب عليه زكاة الفطر: «... تلزم الرجلَ عَن نفسه وعَن من تلزمه نفقته من المسلمين؛ من ولد صغير لا مال له، أو كبير زمِن فقير، أو زوجته...».[7]
وحديث مالك السابق وحديث البخاري الآتي يدلان على أن زكاة الفطر واجبة على كل مسلم كيفما كان نوعه أو جنسه أو حاله.
يقول ابن رشد الجد: «... فهي [أي: زكاة الفطر] تجب على من لا مال له إذا كان عنده فضل عن قوت يومه... قاله ابن حبيب. وقال غيره: إلا أن يضر ذلك به، ويؤدي إلى جوعه، وجوع عياله. ومن ليس له إلا هذا المقدار، فهو من الفقراء الذين تحل لهم الزكاة».[8]
فليس إذاً من شرط هذه الزكاة الغنى ولا نصاب عند أكثر العلماء، بل أن تكون فضلا عن قوته وقوت عياله فقط.[9]
والجمهور على أنه لا تجب زكاة الفطر على المرء في أولاده الصغار إذا كان لهم مال زكاة فطر، وبه قال الشافعي وأبو حنيفة ومالك.[10]
ويجُوز لأي مسكين أن يأخذ زكاة الفطر ولو كان ممن تجب عليهم إخراجها، ويُكره تبادلها بنفسها بين فردين حتى لا تدخل في باب الرجوع في الصدقة.
كما يجوز للإنسان إن كان غائبا عن بلده في سفر ونحوه أن يؤدي عنه أهله الزكاة إن أوصاهم بذلك أو جرت العادة به، أما إذا لم تجر به العادة ولم يوصهم فعليه إخراجها عن نفسه في البلد الذي هو فيه. ومن كان عاجزاً عنها وقت وجوبها، ثم قدر عليها يوم العيد، فلا يجب عليه إخراجها وإنما يندب.
5- وقتُ وجوبها:
قال صاحبُ كتاب" الخُلاصة الفِقهية عَلى مَذهب السَّادة المالكية"، ص: (172): " ... وزمن وُجُوبهَا: غُرُوب آخر يَوْم من رَمَضَان على قَول، أَو فجر أول يَوْم من شَوَّال على آخر.
وقال بعضُهم هُناك قولان:
الأول: تجبُ بغروب شَمس آخر يوم من رمضان بناء على تفسير البعض أن المراد من كلمة الفطر الواردة في الخبر: (أن رسول اللَّه - صلى اللَّه عليه وسلم - فرض زكاة الفطر من رمضان) الفطر الجائز.
القول الثاني: تجبُ بطلوع فجر أول يوم من شوال بناء على أن المراد من كلمة الفطر السابقة الذكر في الخبر: الفطر الواجب الذي يدخل وقته بطلوع فجر شهر شَوال.
فكل من ولد له ولد، أو تزوج، أو اشترى عبداً، قبل غروب شمس آخر يوم من رمضان، وجب على الأب، أو الزوج، أو السيد، إخراج زكاة فطر ولده، أو زوجته، أو عبده. أما إن حصل ذلك بعد الغروب وقبل طلوع فجر يوم شوال لم تجب بناء على القول الأول، وتجبُ بناء على القول الثاني.
ويقول القاضي عبد الوهاب البغدادي: «... وتجب بغروب الشمس من آخر يوم من رمضان، وقيل بطلوع الفجر من يوم الفطر، ووقت استحبابها قبل الغدو إلى المصلى، وتجب على من فضل عن قوته وقوت عياله بقدرها ». [ ينظر : التلقين،(1/67)].
وسبب اختلافهم في هل تجب بغروب شمس آخر يوم من رمضان أو بطلوع فجر يوم العيد: هل هي عبادة متعلقة بيوم العيد، أو بخروج شَهر رمضان؟ لأن ليلة العيد ليسَت من رمضان. ومن فائدة هذا الاختلاف في المولود يُولد قبل الفجر من يوم العيد وبعد مغيب الشمس هل تجبُ عليه أم لا؟.] [ ينظر: بداية المجتهد، ونهاية المُقتصد، لابن الرشد (2/44).
قال الشيخ محمد بن محمد المختار الشنقيطي:" وفي الجنين وجهان: أثر من عثمان- رضي الله عنه- وسليمان بن يسار- رحمه الله- أنهم كانوا يخرجون عن الجنين واستحب بعض السلف وبعض الأئمة كما نقله ابن الملقن وغيره في شرح العمدة أنه يخرج عن الجنين إذا تمت له أربعة أشهر ، وبناءً على ذلك يقولون إنه يخرج عن الجنين لأنه في حكم الحي حينئذٍ ومنهم من اعتبر أربعين يوماً والأقوى الأول من استتمام المدة لنفخ الروح لحديث عبدالله بن مسعود- رضي الله عنه- الثابت في الصحيح ".
6- شروطُ وجُوبها:
زكاة الفطر ـ مِنْ حيث حكمُها التكليفيُّ ـ فرضُ عينٍ على كُلِّ مَنْ تَوفَّرَتْ فيه شروطُ وجوبِها وهي:
• شرطُ الإسلام: فلا تجب زكاةُ الفطر على الكافر حُرًّا كان أو عبدًا عند الجمهور، خلافًا للشافعية[11]؛ لأنَّ زكاة الفطر قُرْبةٌ مِنَ القُرَبِ وطُهْرةٌ للصائم مِنَ اللغو والرفث، والكافرُ ليس مِنْ أهل القُرَبِ فلا تُقْبَلُ منه؛ لذلك قيَّدَها حديثُ ابنِ عمر - رضي الله عنهما- الذي يقُول:
« فَرَضَ رَسُولُ اللهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - زَكَاةَ الفِطْرِ صَاعًا مِنْ تَمْرٍ أَوْ صَاعًا مِنْ شَعِيرٍ، عَلَى العَبْدِ وَالحُرِّ، وَالذَّكَرِ وَالأُنْثَى، وَالصَّغِيرِ وَالكَبِيرِ مِنَ المُسْلِمِينَ، وَأَمَرَ بِهَا أَنْ تُؤَدَّى قَبْلَ خُرُوجِ النَّاسِ إِلَى الصَّلَاةِ» [12].
• شرط القدرة لمَنْ يجب عليه إخراجُ زكاة الفطر: لأنَّ غيرَ القادرِ مرفوعٌ عنه الحَرَجُ؛ لقوله تعالى: { لَا يُكَلِّفُ ٱللَّهُ نَفۡسًا إِلَّا وُسۡعَهَا} [البقرة: 286]، وقولِه تعالى: { وَمَا جَعَلَ عَلَيۡكُمۡ فِي ٱلدِّينِ مِنۡ حَرَج} [الحج: 78].
• أضافَ الجمهورُ شَرْطَ الحُرِّيَّةِ في وجوبِ زكاة الفطر؛ فلا تجب ـ عندهم ـ إلَّا على مَنْ كان حُرًّا مسلمًا؛ لأنَّ غيرَ الحُرِّ لا يَمْلِك ولا يُملَّكُ، وخالَفَ في ذلك الحنابلةُ فتجب زكاةُ الفطر ـ عندهم ـ على الرقيق سواءٌ كان صغيرًا أو كبيرًا كما تجب على الحُرِّ وهو الراجحُ، يشهد له عمومُ حديثِ ابنِ عمر رضي الله عنهما: «فَرَضَ رَسُولُ اللهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - صَدَقَةَ الفِطْرِ صَاعًا مِنْ شَعِيرٍ أَوْ صَاعًا مِنْ تَمْرٍ، عَلَى الصَّغِيرِ وَالكَبِيرِ، وَالحُرِّ وَالمَمْلُوكِ »، وفي لفظِ مسلمٍ: « فَرَضَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ زَكَاةَ الْفِطْرِ صَاعًا مِنْ تَمْرٍ أَوْ صَاعًا مِنْ شَعِيرٍ، عَلَى كُلِّ عَبْدٍ أَوْ حُرٍّ، صَغِيرٍ أَوْ كَبِيرٍ»[13]، ولأنَّ زكاة الفطر زكاةٌ على الأبدان؛ فوَجَبَ على السيِّدِ أَنْ يُخْرِجَها عن عبده؛ لأنه صاحِبُ ولايةٍ عليه؛ فأَشْبَهَ ابنَه الصغيرَ [14].
وفي هذا المضمار يقول الشيخُ محمد العربي القروي مصنِّفُ كتاب" الخلاصة الفقهية على مذهب السادة المالكية": " وَتجب عَلى من اجْتمعت فِيهِ ثَلَاثَة شُرُوط:
1- أَن يكُون حُرًّا.
2- مُسلما.
3- قَادِرًا عَلَيْهَا فِي وَقت الْوُجُوب، وَلَو بتسلف قدرهَا إِن كَانَ يَرْجُو قَضَاء دينه " [15].
7- أركانُ زكاةِ الفِطر
وأركانها أربعة: المُخرِج بكسر الراء، والمخرَج بالفتح، والوقتُ المُخرج فيه، والمدفُوعة إليه.
8- وقتُ إخراجها:
يجُوز إخراج صدقة الفطر قبل يوم العيد بيوم أو يومين، ولا يجوز أكثر من ذلك على المعتمد. ويندب إخراجها بعد فجر يوم العيد، ويحرم تأخيرها عن يوم العيد، ولكن لا تسقط بمضي ذلك اليوم، بل تبقى في ذمته أبداً حتى يخرجها، طالما كان غنياً وقت وجوبها.
ويقول ابن رشد الجد: « ويستحب لمن وجبت عليه زكاة الفطر أن يؤديها يوم الفطر قبل الغدو إلى المصلى، فإن أخرجها قبل ذلك بيوم أو يومين أو ثلاثة أجزأ على الاختلاف فيمن أخرج زكاته قبل حلول الحَول بيسير». (المقدمات الممهدات، (1/335).
وقال شَيخنا في منظومته " تزود الشُّبان:
وعَنْ طُلُوعِ الفَجْرِ من قبْلِ الصَّلاةْ = عِندَهُمُ نُدِبَ إخراجُ الزكاةْ
وكرِهُوا بَعْدَ طلُوعِ الشَّمسِ = تَأخيرَها كالزَّيدِ دُون لبْسِ
فَقَدْ جَاءَ عَنِ ابنِ عُمَرَ - رضي الله عنهما -: «أنَّ رَسُولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - أمَرَ بِزَكَاةِ الفِطْرِ أنْ تُؤَدَّى قَبلَ خُرُوجِ النَّاسِ إلَى الصَّلَاةِ» أخرجه البخاري (1503)، ومسلم (984).
وَقَولُهُ: « وَأمَرَ بِهَا أنْ تُؤدَّى قَبلَ خُرُوجِ النَّاسِ إلَى الصَّلَاةِ »؛ يَدُلُّ عَلَى أنَّ المُبَادَرَةَ بِهَا هِيَ المَأمُورُ بِهَا، وَلِهَذَا يُسَنُّ تَأخِيرُ صَلَاةِ العِيدِ يَومَ الفِطرِ لِيَتَّسِعَ الوَقْتُ عَلَى مَنْ أرَادَ إخْرَاجَهَا، كَمَا يُسَنُّ تَعجِيلُ صَلَاةِ العِيدِ يَومَ الأضْحَى لِيَذهَبَ النَّاسُ لِذَبحِ أضَاحِيهِم وَيَأكُلُوا مِنهَا.
[ ينظر: أَحْكَامُ زَكَاةِ الفِطرِ مُحَمَّد عبد الله بن مُحَمَّد سَعِيد رَسْلان، وأحكام زكاة الفطر عند المالكية]
وجاء في الموطإ عَنْ مَالِكٍ عَنْ نَافِعٍ، أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ - رضي الله عنه- كَانَ « يَبْعَثُ بِزَكَاةِ الْفِطْرِ إِلَى الَّذِي تُجْمَعُ عِنْدَهُ قَبْلَ الْفِطْرِ، بِيَوْمَيْنِ أَوْ ثَلَاثَةٍ ». وورد فيه أيضا قول مالك أنه: « رَأَى أَهْلَ الْعِلْمِ يَسْتَحِبُّونَ أَنْ يُخْرِجُوا زَكَاةَ الْفِطْرِ إِذَا طَلَعَ الْفَجْرُ مِنْ يَوْمِ الْفِطْرِ، قَبْلَ أَنْ يَغْدُوا إِلَى الْمُصَلَّى ». قَالَ مَالِكٌ: « وَذَلِكَ وَاسِعٌ إِنْ شَاءَ اللَّهُ، أَنْ تُؤَدَّى قَبْلَ الْغُدُوِّ مِنْ يَوْمِ الْفِطْرِ وَبَعْدَهُ ».
والخلاصة من أقوال الفقهاء في هذه المسألة أنها تجب بعد استيفاء صيام شهر رمضان، ويتأكد الوجُوب بعد طلوع فجر يوم العيد وقبل صلاة العيد، ويجوز أن تُخرج قبل انقضاء شهر رمضان بنحو يومين أو ثلاثة من أجل المصلحة والحاجة.
9- مقدارها والأصنافُ التي تُخرج منها:
قَدرهَا صَاعٌ، وَهُوَ أَرْبَعَة أَمْدَاد، وَالْمدّ حفْنَة ملْء الْيَدَيْنِ المتوسطة، وهو يُساوي بالوزن الحالي: 176 جراما وكيلوين حسب الوزن بالقمح. والمد يُساوي: 544 جراما حسب الوزن بالقمح.
[حاشية الصاوي على الشرح الصغير (3/223)]
وقال فضيلة المفتي الشيخ/ عطية صقر - (مايو 1997):" والصَّاع يقدر بالكيلو جرام هكذا: الصاع يساوي 696 درهماً، والكيلو جرام يساوي 324 درهماً، وبقسمة دراهم الصَّاع وهو 696 على دراهم الكيلو جرام وهي 324 يساوي الصاع اثنين من الكيلو جرامات، 48 درهماً. أي أربع أوقيات ".
وَقد فضل ذَلِك الصَّاع عَن قوته وقوت عِيَاله فِي يَوْم عيد الْفطر، وَقد ملكه وَقت الْوُجُوب وَيكُون الصَّاع من أغلب قوت أهل الْمحل، كما أشار إلى ذلك شَيخنا في منظومته " تزود الشُّبان الذي يقُولُ:
مِنْ مُسلمٍ بِجُلِّ عَيشِ الدَّهرِ = وَلتُعطَ حُرًّا مُسلمًا ذَا فَقْرِ
وَهُوَ من صِنف من هاته الْأَصْنَاف التِّسْعَة: الْقَمْح، وَالشعِير، والسُّلت، والذرة، والدخن والأرز، وَالتَّمْر، وَالزَّيْت، والأقط - وَهُوَ يَابِس اللَّبن الْمخْرج زبده-، كما روي عَنْ أبي سَعِيدٍ الخُدْرِيَّ - رَضيَ اللهُ عَنْهُ - قَالَ: " كُنَّا نُخْرِجُ زَكَاةَ الفِطْرِ، صَاعًا مِنْ طَعَامٍ، أوْ صَاعًا مِنْ شَعِيرٍ، أوْ صَاعًا مِنْ تَمْرٍ، أوْ صَاعًا مِنْ أقِطٍ، أوْ صَاعًا مِنْ زَبِيبٍ" (مُتفقٌ عليه: أخرجه البخاري برقم: [1506] واللفظ له، ومسلم برقم: [985]). وَعَنْ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ - رَضيَ اللهُ عَنْهُ- قَالَ: "كُنَّا نُخْرِجُ فِي عَهْدِ رَسُولِ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- يَوْمَ الفِطْرِ صَاعًا مِنْ طَعَامٍ، وَكَانَ طَعَامُنَا الشَّعِيرُ وَالزَّبِيبُ، وَالأقِطُ وَالتَّمْرُ " (مُتفقٌ عليه: أخرجه البخاري برقم: [1510] واللفظ له، ومسلم برقم: [985]).
وقال بعضُهم:
قمحٌ شَعيرٌ وزَبيبٌ سُلت ... تَمر مع الأُرز دُخن ذرَّة
فَلَا يُجزئ الْإِخْرَاج من غَيرهَا وَلَا من وَاحِد مِنْهَا إِذا اقتيت غَيرُه؛ إِلَّا أَن يخرج الْأَحْسَنَ، فَينْدب كَمَا لَو غلب اقتيات الشّعير فَاخْرُج قمحا، فَإِذا اقتيت غير هاته الْأَصْنَاف كالعلس وَاللَّحم والفول والعدس والحمص وَنَحْوهَا أخرج الصاع من المقتات .
وإذا كان قُوت أهلِ البلد من غير الحبوب والثمار كاللبن، واللحم، والسَّمك، ونحوها فيُخرجون زكاة الفطر من قُوتهم الحلال كائنًا ما كان؛ لأن المقصُود سد حاجة المساكين يَوم العيد، ومُواساتهم من جنس ما يقتاتُ أهل بلدهم.
وأفضلُ أنواع هذه الأطعمة المذكورة أنفعها للمتصدَّق عليه، وأحبُّها إليه؛ لأنه الذي يحصل به الإغناء المطلوب للمساكين في ذلك اليوم. [ ينظر كتاب: " الخلاصة الفقهية على مذهب السادة المالكية"، المؤلف: محمد العربي القروي، الناشر: المكتبة الشرقية، الطبعة الأولى: 1431ه - 2010م، ص:172 وما بعدها، بتصرُّف ]
10- حُكم إخراج قيمتها
وجوَّز بعض فُقهاء الحَنفية إخراج زكاة الفطر قيمة أو ما قيمة الصاع تُقدَّر بقيمة مالية وتُدفع عن كل شخص، ولكن المشهور في المذهب عدم إخراج القيمة، كما قال مالكٌ: ولا يُجْزِئُهُ أَنْ يدفع في الفطرةِ ثمناً. اهـ (النوادر والزيادات (2/ 303).
وسئل عن الرجل لا يكون عنده قمح يوم الفطر، فيريد أن يدفع ثمنه إلى المساكين يشترونه لأنفسهم، ويرى أن ذلك أعجل؛ قال: لا يفعل ذلك، وليس كذلك قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم-. ومن رواية عيسى قال ابن القاسم: ولو فعل لم أر به بأساً.
قال محمد بن رشد: رواية عيسى هذه عن ابن القاسم خلاف رواية أبي زيد عنه بعد هذا، وقد قيل: إنها ليس بمخالفة لها، وإنما خفف ذلك. [البيان والتحصيل: 2/486].
وفي هذا الصَّدد قال صاحبُ " الكَفاف ":
وقيمة الزكاة عنها تكفي = لدى الإمام الحَنفي والجعفي
وهو الذي به يقول أشهبُ = ومثله للعتقيّ ينسبُ
ولكن الأصح عَنه المعتبرْ = عدمُ الاجزا وعليه المُختصرْ
وقال أَبُو مُحَمَّد عبد الله بن مُحَمَّد سَعِيد رَسْلان في أحكام زكاة الفطر: " وَأمَّا إخرَاجُهَا مَالًا فَلَا يَجُوزُ مُطلَقًا؛ لأنَّ الشَّارِعَ فَرَضَهَا طَعَامًا لَا مَالًا، وَحَدَّدَ جِنسَهَا وَهُوَ الطَّعَامُ فَلَا يَجُوزُ الإخرَاجُ مِن غَيرِهِ، وَلأنَّهُ أرَادَهَا ظَاهِرَةً لَا خَفِيَّةً، فَهِيَ مِنَ الشَّعَائِرِ الظَّاهِرَةِ، وَلأنَّ الصَّحَابَةَ أخرَجُوهَا طَعَامًا؛ وَنَحنُ نَتَّبِعُ وَلَا نَبتَدِعُ.
ثُمَّ إخرَاجُ زَكَاةِ الفِطرِ بِالطَّعَامِ يَنضَبِطُ بِهَذَا الصَّاعِ، أمَّا إخرَاجُهَا نُقُودًا فَلَا يَنضَبِطُ، فَعَلَى سِعرِ أيِّ شَيءٍ يَخرُجُ؟
وَقَدْ تَظْهَرُ فَوَائِدُ لإخرَاجِهَا قُوتًا كَمَا فِي حَالَاتِ الاحتِكَارِ وَارتِفَاعِ الأسعَارِ وَالحُرُوبِ وَالغَلَاءِ.
وَلَو قَالَ قَائِلٌ: النُّقُودُ أنفَعُ لِلفَقِيرِ وَيَشتَرِي بِهَا مَا يَشَاءُ وَقَد يَحتَاجُ شَيئًا آخَرَ غَيرَ الطَّعَامِ، ثُمَّ قَدْ يَبِيعُ الفَقِيرُ الطَّعَامَ وَيَخسَرُ فِيهِ!
فَالجَوَابُ عَنْ هَذَا كُلِّهِ: أنَّ هُنَاكَ مَصَادِرَ أخْرَى لِسَدِّ احتِيَاجَاتِ الفُقَرَاءِ فِي المَسْكَنِ وَالمَلْبَسِ وَغَيرِهَا، وَذَلِكَ مِن زَكَاةِ المَالِ وَالصَّدَقَاتِ العَامَّةِ وَالهِبَاتِ وَغَيرِهَا فَلنَضَعِ الأمُورَ فِي نِصَابِهَا الشَّرعِيِّ، وَنَلتَزِمُ بِمَا حَدَّدَهُ الشَّارِعُ وَهُوَ قَدْ فَرَضَهَا صَاعًا مِن طَعَامٍ: طُعمَةٌ لِلمَسَاكِينِ.
وَنَحنُ لَو أعطَينَا الفَقِيرَ طَعَامًا مِن قُوتِ البَلَدِ؛ فَإنَّهُ سَيَأكُلُ مِنهُ وَيَستَفِيدُ عَاجِلًا أوْ آجِلًا؛ لأنَّ هَذَا مِمَّا يَستَعمِلُهُ أصْلًا، وَبِنَاءً عَلَيهِ فَلَا يَجُوزُ إعطَاؤُهَا مَالًا لِسَدَادِ دَينِ شَخصٍ، أوْ أُجرَةِ عَمَلِيَّةٍ جِرَاحِيَّةٍ لِمَرِيضٍ، أو تَسدِيدِ قِسطِ دِرَاسَةٍ عَن طَالبٍ مُحتَاجٍ، وَنَحوِ ذَلِكَ، فَلِهَذَا مَصَادِرُ أُخرَى كَمَا تَقَّدمَ".
11- مندوباتُ وجَائزاتُ زَكَاة الْفطر
مندوباتها أَرْبَعَة :
1- إخْرَاجهَا بعد الْفجْر وَقبل صَلَاة الْعِيد. 2- وإخراجها من قوته الْأَحْسَن من قوت أهل الْبَلَد.
3- وإخراجها لمن زَالَ فقرُه أَو زَالَ رقّه فِي يَوْمهَا.
4- وَعدم الزِّيَادَة عَلى الصَّاع، بَل تكره الزِّيَادَة.
وقال شَيخنا في منظومته " تزود الشُّبان:
وعَنْ طُلُوعِ الفَجْرِ من قبْلِ الصَّلاةْ = عِندَهُمُ نُدِبَ إخراجُ الزكاةْ
وكرِهُوا بَعْدَ طلُوعِ الشَّمسِ = تَأخيرَها كالزَّيدِ دُون لبْسِ
وجَائزاتها ثَلَاثَة:
1- دفع صَاع وَاحِد لمساكين يقتسمونه.
2 - وَدفع آصَع مُتعَدِّدَة لوَاحِد من الْفُقَرَاء 3- وَإِخْرَاج الزَّكَاة قبل يَوْمَيْنِ من وَقت وُجُوبهَا لَا أَكثر.
12- مسائل متفرقة
س- لمن تُدفع زَكَاة الْفطر؟ وَمَا هُوَ حُكم الْعَاجِز عَن بَعْضهَا؟
ج - تُدفَع لمن توفرت فِيهِ هاته الشُّرُوط الْأَرْبَعَة:
1- أَن يَكُون حُرًّا، فلا تجزئ لعبدٍ.
2 مُسلما، فلا تجزئ لكافر .
3- فَقِيرا أَو مِسْكينا الذي لا يملك قوت عامه أو من لا يملكُ شيئا.
4- غير هاشمي، لشرفه وتنزهه عن أوساخ الناس .
وقَد أشار إلى ذلك صَاحبُ منظومة " تزود الشُّبان":
........................ = وَلتُعطَ حُرًّا مُسلمًا ذَا فَقْرِ
وَمن لم يقدر على إِخْرَاج كَامِل مَا عَلَيْهِ من الزَّكَاة أخرج مَا قدر عَلَيْهِ وجُوبا.
فَإِن وَجب عَلَيْهِ آصَع مُتعَدِّدَة وَلم يجد إِلَّا بعضا، فَإِنَّهُ يبْدَأ بِنَفسِهِ ثمَّ بِزَوْجَتِهِ ثمَّ بقرابته كالابن وَالْأَب.
س - هَل تسْقط زَكَاة الْفطر بِمُضِيِّ زَمَنهَا ؟ وَمَتى يَأْثَم من وَجَبت عَلَيْهِ؟
ج - لَا تسْقط زَكَاة الْفطر عَن غني بهَا وَقت وُجُوبهَا بِمُضِيِّ زَمَنهَا الَّذِي هُوَ غرُوب شَمس يَوْم الْعِيد، بل هِيَ بَاقِيَة فِي ذمَّته أبدا حَتَّى يُخرجهَا، وَلَو مضى عَلَيْهَا سِنِين. وَيَأْثَم بِمن تجبُ عَلَيْهِ إِن أَخّرهَا للغروبِ، لتَفويته وَقت الْأَدَاء الَّذِي هُوَ الْيَوْم كُله.
المراجع:
- كتاب: " الخلاصة الفقهية على مذهب السادة المالكية"، المؤلف: محمد العربي القروي، الناشر: المكتبة الشرقية، الطبعة الأولى: 1431ه - 2010م.
- الفقه الإسلامي وأدلته للزحيلي، ج3 .
- الرسالة، أبو محمد عبد الله بن أبي زيد القيرواني، (المتوفى: 386 هـ)، دار الفكر.
- بداية المجتهد ونهاية المقتصد، أبو الوليد محمد بن أحمد بن رشد الحفيد، (المتوفى: 595هـ)، دار الحديث - القاهرة، بدون طبعة، تاريخ النشر: 1425هـ - 2004 م.
- التلقين في الفقة المالكي، أبو محمد عبد الوهاب بن علي البغدادي المالكي، (المتوفى: 422 هـ)، تحقيق ابي أويس محمد بو خبزة، دار الكتب العلمية، الطبعة الأولى: 1425هـ - 2004م.
أحكامُ زكاة الفِطر أَبُو مُحَمَّد عبد الله بن مُحَمَّد سَعِيد رَسْلان
الهوامشُ:
[1] ينظر: لسان العرب، أبو الفضل محمد بن منظور، (المتوفى: 711هـ)، دار صادر - بيروت، الطبعة الثالثة: 1414 هـ. مادة "زكا".
[2] المقدمات الممهدات، أبو الوليد محمد بن رشد الجد، (المتوفى: 520 هـ)، دار الغرب الإسلامي، الطبعة الأولى: 1408 هـ - 1988 م (1/272).
[3] الموطأ، مالك بن أنس، (المتوفى: 179هـ)، تحقيق محمد فؤاد عبد الباقي، دار إحياء التراث العربي، بيروت - لبنان، تاريخ النشر: 1406 هـ - 1985 م كتاب الزكاة: باب من تجب عليه زكاة الفطر، (رقم الحديث 52).
[4] الرسالة، أبو محمد عبد الله بن أبي زيد القيرواني، (المتوفى: 386 هـ)، دار الفكر، باب في زكاة الفطر، ص 71.
[5] المقدمات الممهدات، ابن رشد الجد، كتاب الزكاة الثاني: فصل في القول في زكاة الفطر (1/333).
[6] السنن الكبرى، أبو عبد الرحمن أحمد بن شعيب النسائي، (المتوفى: 303هـ)، تحقيق حسن عبد المنعم شلبي، مؤسسة الرسالة - بيروت، الطبعة الأولى:1421 هـ - 2001 م، كتاب الزكاة: فرض صدقة الفطر قبل نزول الزكاة، (ح 2297).
عن هذا الموضوع يُنظر: بداية المجتهد ونهاية المقتصد، أبو الوليد محمد بن أحمد بن رشد الحفيد، (المتوفى: 595هـ)، دار الحديث - القاهرة، بدون طبعة، تاريخ النشر: 1425هـ - 2004 م. (2/40).
[7] التلقين في الفقة المالكي، أبو محمد عبد الوهاب بن علي البغدادي المالكي، (المتوفى: 422 هـ)، تحقيق ابي أويس محمد بو خبزة، دار الكتب العلمية، الطبعة الأولى: 1425هـ - 2004م. كتاب الزكاة: باب زكاة الفطر، (1/67).
[8] البيان والتحصيل والشرح والتوجيه والتعليل لمسائل المستخرجة، أبو الوليد محمد بن رشد الجد، (المتوفى: 520هـ)، تحقيق محمد حجي، دار الغرب الإسلامي، بيروت - لبنان، الطبعة الثانية: 1408 هـ - 1988 م. كتاب زكاة الحبوب والفطر، (2/483).
[9] بداية المجتهد ونهاية المقتصد، (2/41).
[10] بداية المجتهد ونهاية المقتصد، (2/41).
[11] والأَصَحُّ ـ عند الشافعية ـ وجوبُ زكاةِ الفطر على الكافر، ويُؤدِّيها عن أَقارِبِه المسلمين، [انظر: «مُغْنيَ المحتاج» للشربيني (1/402)].
[12] أخرجه البخاريُّ في «الزكاة» بابُ فَرْضِ صدقة الفطر (1503)، ومسلمٌ في «الزكاة» (984- 986)، مِنْ حديثِ ابنِ عمر رضي الله عنهما.
[13] أخرجه البخاريُّ في «الزكاة» بابُ صدقةِ الفطر على الصغير والكبير (1512)، ومسلمٌ في «الزكاة» (984)، مِنْ حديثِ ابنِ عمر رضي الله عنهما.
[14] ينظر: « الكافيَ» لابن عبد البرِّ (111)، «المُغْنيَ» لابن قدامة (3/56)، «الاختيار» لابن مودود (1/123)، «تبيين الحقائق» للزيلعي (306/1)، « مُغْنيَ المحتاج» للشربيني (1/402).
[15] الخلاصة الفقهية على مذهب السادة المالكية"، المؤلف: محمد العربي القروي، الناشر: المكتبة الشرقية، الطبعة الأولى: 1431ه - 2010م، ص:172]
جزاك الله خيرا،رائع جداً
ردحذف